في خطوة ذات دلالات سياسية على مسار التطبيع المتدرج للمملكة السعودية، شهدت العاصمة الرياض مؤخرا مراسم دينية يهودية نادرة تضمنت كتابة لفيفة توراة، وهو حدث بارز نظرا لغياب جالية يهودية دائمة في المملكة.
حضر مراسم الطقوس التوراتية، يهود أمريكيون مقيمون في السعودية لأغراض تجارية أو يخدمون في القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة، مما جعلها حدثا استثنائيا ذا طابع أمني وسياسي أكثر من الديني.
مراسم دينية يهودية
أفادت وسائل إعلام عبرية أن المراسم الدينية اليهودية أقيمت في 5 فبراير 2026 في فندق باب سمحان بالدرعية، ونشرت إحدى المنصات الإسرائيلية مقطع فيديو وصفته بالحصري يوثق الحادثة إذ تظهر الصور المشاركين يؤدون طقوس التوراة، إلى جانب أفراد أمريكيين يرتدون الزي العسكري، وهو ما أضفى بعدا سياسيا وأمنيا واضحا على ما قُدم كمناسبة دينية.
ووفقا لموقع “بهادري حريدي” العبري المتشدد، وُصفت المراسم بأنها مؤثرة للغاية، على الرغم من أن الوجود اليهودي في السعودية يقتصر على إقامات مؤقتة مرتبطة بمهام مهنية أو عسكرية.
ووصف المشاركون إقامة مراسم دينية يهودية في الرياض بأنه ممارسة دينية بحتة، مؤكدين على الأهمية الدينية والروحية لكتابة التوراة لا سيما في ظل التغيرات الإقليمية وانفتاح المملكة المتزايد في السنوات الأخيرة على الأجانب من مختلف الأديان، إلا أن توقيت الحدث ومكانه وطبيعة الحضور تشير إلى دلالات أوسع فإقامة مراسم دينية يهودية علنية في قلب الرياض مع علم رسمي واضح، يعكس سياسة انفتاح انتقائي تتداخل بشكل متزايد مع عملية تطبيع سرية وغير معلنة مع إسرائيل.
ويتسق هذا التطور مع سلسلة من المؤشرات المتراكمة، بما في ذلك فتح المجال الجوي السعودي أمام الرحلات الجوية الإسرائيلية والتنسيق الأمني غير المباشر، بالإضافة إلى التغيرات في الخطاب الإعلامي بشأن إسرائيل وكذلك استضافة شخصيات يهودية وغربية في مناسبات رسمية وشبه رسمية. وغالبا ما تُقدم هذه الخطوات في الإعلام تحت شعار التسامح الديني أو الانفتاح الثقافي بينما تبقى دلالاتها السياسية بعيدة عن الإعلام الرسمي وغير متناولة إلى حد كبير.
تطبيع صامت
والجدير بالذكر أن المراسم لم تعلن عنها وسائل الإعلام السعودية ولم يصاحبها أي بيان رسمي، وهو ما يتماشى مع نهج يترك فيه الكشف عن التطورات الحساسة بهدوء لوسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية، بحيث يُمكن هذا النهج الرياض من رصد ردود الفعل المحلية والإقليمية دون إصدار أي تصريح سياسي صريح.
كما أشار المراقبون إلى الأهمية الرمزية للدرعية كموقع مختار لإقامة المراسم الدينية اليهودية باعتبارها مركزا تاريخيا للدولة السعودية ومكانا يذخر بالرموز السياسية والدينية، إذ أنها تمثل أكثر من مجرد كونها وجهة سياحية. ولا يمكن فصل إقامة طقوس التوراة هناك، حتى داخل فندق، عن الجهود الأوسع لإعادة تشكيل الهوية العامة للمملكة بما يتماشى مع الأولويات السياسية والأمنية المتغيرة.
في الوقت نفسه، أثار الحدث تساؤلات حول موقف السعودية من القضية الفلسطينية، فبينما تقام مراسم دينية يهودية بحضور جنود أمريكيين في الرياض لا تزال غزة تحت الحصار ويستمر التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وسط صمت أو ردود دبلوماسية متحفظة من المملكة. ويرى النقاد هذا التباين جزءا من إعادة تموضع إقليمي أوسع نطاقا حيث تعطى التحالفات الدولية أولوية متزايدة على الالتزامات الراسخة تجاه فلسطين.
وتبرز مشاركة اليهود الأمريكيين من الجيش الأمريكي أن التقارب يتجاوز الرمزية الثقافية أو الدينية ليشمل المجال الأمني، وفي هذا السياق لا يظهر التطبيع كمسار دبلوماسي محتمل فحسب بل كعملية تتضمن أبعادا أمنية ورمزية تسهم في سرديات اندماج إسرائيل في المنطقة.
ختاماً، يمثل إقامة مراسم دينية يهودية بكتابة لفائف التوراة في الرياض خطوة تدريجية أخرى ضمن نمط أوسع من التطبيع الهادئ. وبغض النظر عن إطاره الروحي، يُشكل هذا الحدث جزءا من سلسلة من التحركات المحسوبة التي تسعى إلى تطبيع الواقع قبل إضفاء الطابع الرسمي على المواقف السياسية مما يثير تساؤلات جديدة حول توجهات السياسات الإقليمية السعودية والقضايا التاريخية التي قد تتأثر بهذا المسار.
المصدر: مسقط 24
