على الرغم من إعلان انتهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فإن إعادة فتح معبر رفح لم يترجم إلى انفراجة إنسانية حقيقية أو شريان حياة فعلي للفلسطينيين. فبدلاً من أن يشكل بداية مرحلة جديدة تخفف الحصار والدمار والمعاناة الإنسانية، استأنف المعبر العمل ضمن شبكة معقدة من الترتيبات الأمنية والسياسية والشروط التي تفرغه من أي مضمون إنساني حقيقي، وتبقي سكان غزة رهائن لسياسات السيطرة والضغط والابتزاز.
وتتفق هيئات حقوق الإنسان والمسؤولون والتحليلات الدولية على أن فتح معبر رفح الحالي سطحي إلى حد كبير، ويهدف بالدرجة الأولى إلى تخفيف الضغط الدولي بدلا من تفكيك البنية الأساسية للحصار أو استعادة حق الفلسطينيين الأساسي في حرية التنقل والكرامة وتخفيف وطأة الحصار. وما يقدم على أنه خفض للتصعيد أو إغاثة إنسانية إنما هو في الواقع إعادة إنتاج لآليات الهيمنة نفسها تحت ستار جديد.
فتح معبر رفح شكلي
وفقاً لتيسير محيسن، مستشار المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن فتح معبر رفح بعد الحرب لا يمثل تحولا حقيقياً، حيث أن الاحتلال لا يزال يمارس سيطرة فعالة على الدخول والخروج عبر الحصول على موافقة أمنية مسبقة، ما يعني أن المعبر يبقى خاضعا لقرارات إسرائيلية رغم مزاعم التغيير. ويضيف المحيسن، أن الوجود الأوروبي المعلن عند المعبر رمزي فقط ويفتقر إلى أي سلطة حقيقية لمراقبة الإجراءات أو التدخل في حال حدوث انتهاكات.
ويشير محيسن إلى أن المسافرين يتعرضون لتفتيش مهين وانتظار مطول واستجوابات قمعية تمس كرامتهم الإنسانية. أما بالنسبة للمرضى فالوضع أكثر خطورة إذ تُقدم قوائم تُعدها وزارة الصحة الفلسطينية بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية إلى سلطات الاحتلال التي تقرر وحدها من يسمح له بالسفر. ورغم وجود عشرات الآلاف من الحالات الطبية الحرجة لا يسمح إلا لخمسين مريضا تقريبا بالعبور يوميا. أما الفئات الأخرى، كالطلاب وأصحاب الأعمال والعائلات الساعية إلى لم الشمل فتبقى مستبعدة وتعتمد كليا على أهواء الأمن الإسرائيلي، ما يحول حرية التنقل إلى امتياز مشروط بدلا من حق مكفول.
من الناحية القانونية، يعتبر سمير زقوت، نائب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان، آلية عمل معبر رفح الحالية انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويؤكد أن هذه الأطر القانونية ترسخ حرية التنقل كمبدأ أساسي للسكان الذين يعيشون تحت الاحتلال، مع فرض قيود استثنائية ومحدودة وخاضعة للرقابة القضائية إلا أن هذا المنطق معكوس في غزة: فالحظر هو القاعدة والإذن هو الاستثناء النادر.
ويصف زقوت اشتراط التنسيق المسبق والتحقق من الأسماء بأنه شكل من أشكال العقاب الجماعي الذي لا مثيل له في أي مكان آخر في العالم.
مطالب أمنية وسياسية
كما يصف محمود الحنفي، مدير مركز شاهد لحقوق الإنسان، الآلية الحالية بأنها قائمة على “التفويض الأمني لا على الحقوق”، وهو ما يعد انتهاكا صريحا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويشير إلى حالات موثقة لاستجوابات مهينة وتفتيش قسري لا سيما للنساء. ويحذر من أن تحويل المعبر إلى أداة ضغط سياسي يجرده من دوره الإنساني، ويُحمل القائمين عليه مسؤولية قانونية واضحة.
ويدعو الحنفي إلى اعتماد بروتوكول تشغيل شفاف وملزم للمعبر، وإنشاء آلية مراقبة مستقلة وإقامة ممرات إنسانية دائمة تضمن مرورا سلسا للمرضى والطلاب وعائلاتهم بعيدا عن الابتزاز السياسي أو التلاعب الأمني.
وتؤكد التحليلات الدولية هذا التقييم، حيث تخلص التقارير والتعليقات التي نشرتها مجلة الإيكونوميست إلى أن إعادة فتح معبر رفح لم يكن لها سوى تأثير طفيف على الحياة اليومية لسكان غزة، إذ لا يزال أكثر من مليون فلسطيني يعيشون وسط أنقاض منازلهم المدمرة أو في خيام تفتقر إلى أبسط الضروريات مع استمرار النقص الحاد في الكهرباء والرعاية الصحية والمياه النظيفة، بينما ينتشر المرض على نطاق واسع.
ووفقا لهذه التحليلات، فإن التأثير المحدود لإعادة فتح معبر رفح يرتبط ارتباطا وثيقا بربط التقدم الإنساني والاقتصادي بمطالب سياسية وأمنية. ويأتي في مقدمة هذه المطالب شرط نزع سلاح المقاومة قبل الانتقال إلى إعادة الإعمار الشاملة وهو شرط يحول مستقبل غزة من مجال تلبية الاحتياجات المدنية إلى مجال موازين القوى والضغط القسري.
وفي السياق نفسه، تسلط التحليلات الإسرائيلية التي نشرتها صحيفة هآرتس الضوء على صراع خفي حول ما يسمى “كعكة إعادة الإعمار”، حيث تتنافس شركات الأمن والدول والجهات الفاعلة الدولية على النفوذ والمصالح في قطاع إعادة إعمار غزة. ويحدث هذا بالتزامن مع ضغوط أمريكية لتوسيع نطاق تشغيل معبر رفح بشكل طفيف، ليس لتحقيق حل سياسي جذري بل لمنع انهيار إنساني شامل قد يزعزع استقرار المنطقة.
ختاماً، يكشف الواقع الحالي من فتح معبر رفح عن استمرارية سياسات السيطرة والقمع والتلاعب تحت غطاء وقف إطلاق النار والخطابات الإنسانية، فالمعبر المفتوح اسميا ولكنه مقيد عمليا، يبقى مغلقا أمام الإنسانية جمعاء.
المصدر: مسقط 24
