مهرجان البحر الاحمر 2025، ترويج للمثلية في قلب جدة

مهرجان البحر الاحمر

أشعل إعلان مهرجان البحر الاحمر السينمائي في جدة عن إدراج فيلم يتناول علاقة عاطفية بين امرأتين موجة واسعة من الجدل والغضب الشعبي، في وقت تتواصل فيه سياسات ولي العهد محمد بن سلمان التي يصفها معارضون بأنها تستهدف إعادة تشكيل الطابع المحافظ للمجتمع السعودي تحت لافتة الانفتاح الثقافي والترفيهي.

الاعتراضات التي رافقت طرح تذاكر فيلم Erupcja لا تُعد، حادثة معزولة، بل تأتي ضمن مسار أوسع يرون أنه يسعى إلى فرض أنماط ثقافية وقيم وافدة، على حساب منظومات دينية واجتماعية راسخة شكّلت هوية المجتمع لعقود طويلة.

وتشير منصات سينمائية متخصصة مثل IMDb وRotten Tomatoes إلى أن الفيلم يتمحور حول علاقة وجدانية تنشأ بين بائعة زهور من بولندا وسائحة بريطانية، ويُدرج ضمن أعمال الدراما المثلية. في المقابل، تروّج مواقع فنية غربية للفيلم بوصفه عملاً فنياً شاعرياً، إذ وصفه موقع IMDb بأنه بطاقة بصرية آسرة لعلاقة مثلية متزامنة.

واختار موقع IndieWire عنوانًا مباشرًا لتناول العمل، جاء فيه: «تشارلي تهجر حبيبها من أجل امرأة بولندية»، في إشارة صريحة إلى الخط الدرامي للفيلم.

بدوره، علّق موقع Autostraddle، المتخصص في أخبار مجتمع الميم، على شخصية البطلة معتبرًا أنها تظهر بسمات جندرية مزدوجة ضمن قالب تقليدي، مضيفًا أن الفيلم يبعث برسالة مفادها أن “الميول المثلية يمكن تقديمها هي الأخرى في إطار تقليدي”.

ويحمل الفيلم توقيع المغنية البريطانية Charlie XCX في دور البطولة، وهي فنانة تُصنَّف، بحسب موقع PinkNews، كـ إحدى أيقونات مجتمع المثليين. وترتبط صورتها العامة بإطلالات جريئة وخيارات فنية بعيدة عن القوالب المحافظة، ما يجعل مشاركتها في مهرجان سينمائي رسمي داخل السعودية خطوة لا تخلو من أبعاد سياسية، تتجاوز كونها مجرد مشاركة فنية.

مهرجان البحر الاحمر

اللافت بالنسبة لكثيرين أن الواقعة حدثت في جدة، إحدى أبرز مدن الحجاز، المعروفة تاريخيًا بتماسكها الاجتماعي وطابعها المحافظ. ورغم موجة الاستياء الواسعة التي أثارتها الإعلانات داخل المملكة وخارجها، التزمت الجهات الرسمية الصمت، ما عزز الانطباع لدى منتقدين بأن عرض الفيلم لم يكن نتيجة هفوة تنظيمية، بل خطوة مقصودة تعكس ملامح التوجه الجديد للسلطة.

مهرجان البحر الاحمر السينمائي

ويرى معارضون أن إدراج فيلم بهذه المضامين يندرج ضمن سلسلة متواصلة من السياسات التي تسعى إلى تمييع الخط الفاصل بين ما يُطرح بوصفه “انفتاحًا ثقافيًا” وما يُنظر إليه كمساس بالأعراف الاجتماعية. ويضع هؤلاء ذلك في سياق مسار يقوده ولي العهد محمد بن سلمان منذ سنوات، معتمدًا على أدوات الترفيه والسياحة والمهرجانات والفعاليات الفنية المستوردة لإحداث تحولات عميقة في المشهد الثقافي والاجتماعي.

ثقافة الليبرالية الغربية

منذ إنشاء هيئة الترفيه، تسارعت وتيرة إدخال نمط ثقافي مغاير عبر الحفلات المختلطة، واستضافة الفرق العالمية، وعروض الرقص، إلى جانب فعاليات يعتبرها قطاع واسع من المجتمع متعارضة بصورة جوهرية مع منظومة القيم والهوية السائدة.

ويذهب محللون إلى أن ولي العهد يوظّف المهرجانات الفنية الكبرى، مثل مهرجان البحر الاحمر، وساوند ستورم، وموسم الرياض، كأدوات استراتيجية لتكريس حضور ثقافة جديدة مستوحاة من القيم الليبرالية الغربية، من خلال إحداث صدمات ثقافية متلاحقة تُربك المجتمع المحافظ. كما تهدف هذه السياسة، إلى إعادة تقديم المملكة خارجيًا بصورتها الجديدة في سياق منافسة إقليمية مع مدن مثل دبي كمراكز للترفيه، بالتوازي مع تقليص نفوذ التيارات الدينية والاجتماعية التقليدية التي شكّلت لعقود أحد أعمدة التوازن السياسي والاجتماعي.

ويرى مراقبون أن المهرجانات السينمائية لا يمكن فصلها عن هذا المسار العام، إذ لا تُعد مجرد مناسبات ثقافية عابرة، بل جزءًا من مشروع أوسع لإعادة صياغة البنية الاجتماعية، عبر فعاليات ذات طابع انفتاحي حاد، تُعرض خلالها أعمال كان من الصعب تصور السماح بها قبل سنوات قليلة فقط.

سياسيًا، يرى مراقبون أن ولي العهد محمد بن سلمان يعمل على إعادة تسويق صورته في الغرب بوصفه قائدًا تقدميًا وتنويريًا، ولا سيما في أعقاب موجة الانتقادات الحادة التي واجهته على خلفية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، والحرب في اليمن، وملفات الاعتقال المرتبطة بالحريات العامة.

في هذا السياق، تتحول المهرجانات الفنية والثقافية إلى منصات رسائل موجهة للعواصم الغربية، تحمل مضمونًا واحدًا: المملكة تدخل مرحلة جديدة، أكثر حداثة وانفتاحًا وتسامحًا.

غير أن محللين، غربيين وسعوديين، يشيرون إلى أن هذا الانفتاح يظل محدودًا وانتقائيًا، إذ لا يمتد إلى المجال السياسي أو الحقوقي، ولا يفتح الباب أمام التعدد الفكري أو حرية التعبير بمعناها الواسع. وبدلًا من ذلك، يتركز على نمط واحد من “التحرر” المرتبط بالترفيه، والموضة، والسينما، والعروض الفنية، بوصفه الشكل المقبول الوحيد للانفتاح في المرحلة الحالية.

مشاريع لتغيير ثقافة المجتمع

يتساءل العديد من السعوديين عن دوافع عرض فيلم يتناول علاقة مثلية في بلد لا تزال أنظمته القانونية تجرم ممارسات تعد مخالفة للشريعة، متسائلين عمن يقف خلف الترويج لمثل هذه المضامين، ولماذا تُدرج ضمن مهرجان رسمي يحظى برعاية جهات حكومية.

وتعكس هذه التساؤلات إحساسًا متناميًا بأن ما يُقدَّم عبر المهرجانات لم يعد يقتصر على إنتاج فني أو تنويع في الخيارات الترفيهية، بل بات يُنظر إليه كوسيلة لتمرير توجهات ثقافية لا تنسجم مع البنية الاجتماعية السائدة، وسط تجاهل واضح للمؤسسة الدينية، وللنخب المحافظة، ولشريحة واسعة من الرأي العام الرافض لهذه الطروحات.

وفي المحصلة، يرى منتقدون أن عرض فيلم Erupcja في جدة لا يمكن فصله عن سياقه العام، إذ يُعد بالنسبة لهم محطة جديدة ضمن مسار تغييري أوسع يقوده ولي العهد محمد بن سلمان، ويُتهم بالسعي إلى فرض نموذج ثقافي مستورد على مجتمع محافظ، واستخدام المهرجانات والفعاليات الفنية كأداة لخلق واقع اجتماعي مختلف، على حساب أعراف وقيم ترسخت لعقود، تحت شعار التحديث والانفتاح.

وفي الوقت الذي يواصل فيه مهرجان البحر الاحمر الترويج لهذا المسار الثقافي، يتصاعد في المقابل الاحتقان الشعبي إزاء ما يصفه مواطنون بأنه “مشروع متسارع لتفريغ الهوية من مضمونها”. ويأتي ذلك في مرحلة يرى فيها كثيرون أن السعودية باتت أحوج ما تكون إلى حوار مجتمعي صريح ومسؤول حول التحولات الجارية، وما يُمرَّر تحت عنوان “الانفتاح”، وحدود هذا المسار وانعكاساته على المجتمع وقيمه.

مصدر: مسقط برس

→ السابق

فرنسا تدعو إلى “الاستقلال الاستراتيجي” بعد الأمن الأميركية

التالي ←

ضحايا بقصف للدعم السريع في الأبيض وتصعيد بغرب السودان

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة