يواجه عشرات الآلاف من المرضى والجرحى في قطاع غزة خطر الموت البطيء والمؤلم، مع اقتراب انهيار النظام الصحي بشكل كامل، وسط نضوب شبه تام للأدوية والمستلزمات الطبية في أعقاب الدمار الواسع الذي لحق بالمستشفيات والمراكز الصحية خلال الحرب الإبادة المستمرة رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
ومع استمرار تزايد المؤشرات الكارثية، تتضح جريمة خطيرة ومعقدة بشكل متزايد تتجاوز القصف والتدمير لتشمل التقنين والحرمان الممنهج من الرعاية الطبية كسلاح.
الصحة تحذر من انهيار النظام الصحي
مع اقتراب انهيار النظام الصحي، حذرت وزارة الصحة الفلسطينية من أن آلاف المرضى والجرحى يواجهون مصيراً مجهولاً إذ نفدت معظم الأدوية الأساسية ووصل النظام الصحي إلى أدنى مستويات طاقته التشغيلية. وأوضحت الوزارة في بيانات رسمية أن المستشفيات التي لا تزال تعمل في غزة بالكاد قادرة على مواصلة تقديم الخدمات وتحولت فعلياً إلى غرف انتظار قسرية حيث يبقى المرضى لساعات وأيام دون تلقي العلاج اللازم.
ويعكس هذا الواقع حجم الدمار الذي لحق بالقطاع الصحي منذ بداية الحرب، حيث تعرضت معظم المستشفيات والمراكز الطبية للتدمير الكامل أو الجزئي مما أدى إلى انهيار البنية التحتية الحيوية للرعاية الصحية وتعطل خدمات الإحالة والعلاج والخدمات الطبية المتخصصة. ووصفت الوزارة استمرار تقديم الرعاية الصحية في ظل هذه الظروف بأنه معجزة يومية وتحد هائل لأي جهد يهدف إلى التعافي أو استعادة الخدمات المتخصصة.
وتكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة عن حجم الأزمة غير المسبوق، فقد نفدت تقريبا 46% من الأدوية الأساسية، و66% من المستلزمات الطبية و84% من مواد المختبرات وبنوك الدم. وأدى هذا النقص إلى توقف آلاف العمليات الطبية المنقذة للحياة حتى أن أبسط مسكنات الألم والمضادات الحيوية وأدوية الأمراض المزمنة أصبحت نادرة، مما حول ما كان ينبغي أن يكون علاجات روتينية إلى رفاهية بعيدة المنال بالنسبة للمرضى الذين يواجهون الموت في كل لحظة.
انهيار النظام الصحي يؤثر بشكل كارثي على جميع المرضى ولكن أشد تأثير له على فئة خاصة من المرضى الذين يعانون من أمراض السرطان والدم والفشل الكلوي والسكري وأمراض القلب، حيث لم يعد مرضى السرطان يتلقون جلسات العلاج الكيميائي بانتظام ويواجه مرضى الكلى نقصا في مستلزمات غسيل الكلى بينما يتعرض المصابون بالأمراض المزمنة لخطر دائم من مضاعفات مميتة.
وتعد خدمات الجراحة والعناية المركزة والرعاية الصحية الأولية والطوارئ من بين أكثر القطاعات تضررا إذ إن الكميات المحدودة من الأدوية التي تصل إلى المستشفيات بين الحين والآخر لا تكفي لتلبية الاحتياجات الفعلية. وهنا يبقى الأطفال الخدج والنساء الحوامل وكبار السن الأكثر عرضة للخطر حيث إن أي تأخير ولو بسيط في العلاج قد يؤدي إلى نتائج لا رجعة فيها وغالبا ما تكون مميتة.
إبادة صحية
وقد أكدت وزارة الصحة أن انهيار النظام الصحي ليس نتيجة خلل إداري أو حالة طارئة لا مفر منها، بل هو نتاج سياسة ممنهجة تتبعها قوات الاحتلال. فمنذ الأيام الأولى للحرب، تعرضت المستشفيات للقصف وحوصرت المرافق الطبية ودمرت سيارات الإسعاف، بالإضافة إلى استهداف الكوادر الطبية واعتقالها، وقد هدفت هذه السياسة إلى تقويض أحد أهم ركائز الصمود المجتمعي في غزة.
والجدير بالذكر أنه لم يتوقف هذا الاستهداف حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر العام الماضي، بل دخلت مرحلة أكثر خبثا تميزت بالمنع المتعمد لدخول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى غزة وفرض قيود مشددة على المساعدات الإنسانية. وتهدف هذه السياسة إلى ترسيخ حالة انهيار دائم في القطاع الصحي وتحويل الأدوية والغذاء والعلاج إلى أدوات حرب في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر صراحة استهداف المرافق الطبية وحرمان المدنيين من الرعاية.
وتصف الوزارة في غزة الوضع بأنه شكل من أشكال “الإبادة الصحية”، مؤكدةً أن التدمير المتعمد للنظام الصحي يقوض قدرة السكان على البقاء، فعندما تعجز المستشفيات عن تقديم أبسط الخدمات، يصبح البقاء في غزة شبه مستحيل مما يدفع السكان فعلياً نحو النزوح. وبهذا، تتحول الأزمة الصحية نفسها إلى أداة للنزوح غير المباشر بهدف جعل الحياة في غزة لا تطاق.
ختاماً، ينذر انهيار النظام الصحي في غزة بأن الحرب والعدوان على القطاع جمع بين جريمة متعددة الأوجه تجمع بين القصف والحصار من جهة والتدمير للبنية التحتية الصحية والمجاعة الطبية من جهة أخرى بحيث من ينجو من القصف ربما يقتله الجوع أو المرض وفي أحسن الأحوال إن سمح له فلن يجد إلا النزوح القسري كحل وحيد للبقاء على قيد الحياة. مايحدث يمثل سياسة قتل بطيء تسعى إلى إنهاء حياة الفلسطينيين عندما تعجز القنابل وحدها عن ذلك.
المصدر: مسقط 24
