عقوبات الرئيس الأمريكي ترامب تحارب الأمم المتحدة

الرئيس الأمريكي ترامب

عاد الجدل حول سياسة الرئيس الأمريكي ترامب الخارجية إلى الواجهة بقوة، إذ وسعت إدارته نطاق استخدام العقوبات ليتجاوز الضغط الدبلوماسي التقليدي، ليصبح سلاحا سياسيا واسع النطاق يستهدف المؤسسات الدولية ومسؤولي الأمم المتحدة والمدافعين عن حقوق الإنسان، لا سيما أولئك الذين يتناولون الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين.

ويصف المراقبون هذا النهج بأنه قائم على منطق القوة والإكراه، مستخدما الترهيب والعقاب الاقتصادي لتحقيق أهداف سياسية وحماية الاحتلال الإسرائيلي من المساءلة القانونية والأخلاقية.

العقوبات سيف الرئيس الأمريكي ترامب

في عهد الرئيس الأمريكي ترامب، تطورت العقوبات الأمريكية من أداة تقليدية للسياسة الخارجية إلى وسيلة لاستهداف كل من يجرؤ على مواجهة ملفات جرائم الحرب الإسرائيلية وانتهاكات حقوق الإنسان في قطاع غزة والضفة الغربية. وفي هذا السياق، بات الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ينظر إليه بشكل متزايد على أنه عمل عدائي ضد المصالح الأمريكية، بينما لا تزال إسرائيل تتمتع بما يصفه النقاد بحصانة شبه كاملة بغض النظر عن حجم الانتهاكات المنسوبة إليها.

في قلب هذا الصدام تقف فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. ألبانيز، التي تعمل متطوعة دون مقابل، أصحبت هدفا مباشرا لعقوبات الرئيس الأمريكي ترامب بعد إرسالها رسائل تحذيرية إلى شركات دولية كبرى بشأن تورطها المزعوم في دعم الاحتلال الإسرائيلي وجهازه العسكري. وحذرت هذه الرسائل من إمكانية إدراج أسماء هذه الشركات في تقرير قادم للأمم المتحدة لما وصفته بالتواطؤ في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ترتكب في غزة والضفة الغربية.

أكثر من 12 شركة أمريكية ومنظمتان خيريتان تلقت هذه التحذيرات، من بينها: ألفابت، أمازون، كاتربيلر، شيفرون، جوجل، هيوليت باكارد، آي بي إم، لوكهيد مارتن، مايكروسوفت، بالانتير وغيرها ممن اعتبرت مساهماتهم التكنولوجية أو اللوجستية أو الصناعية دعما مباشرا أو غير مباشر للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

وأثارت تصرفات ألبانيز، التي صاغتها على أنها التزام قانوني وأخلاقي بموجب القانون الدولي، قلقا في أوساط الشركات ما دفع شركتين على الأقل إلى طلب المساعدة من البيت الأبيض، وفقا لتحقيق أجرته رويترز.

وهنا كانت الاستجابة الأمريكية سريعة فالأمر يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي وليس أطفال ونساء وعجز غزة، ففسرت واشنطن مراسلات ألبانيز على أنها تهديد للمصالح الأمريكية وفرضت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب عقوبات عليها رغم الحماية الدبلوماسية التي تتمتع بها بموجب تفويضها في الأمم المتحدة.

ولم تكتفي واشنطن بذلك، إذ اتهمها مسؤولون أمريكيون بكتابة رسائل تهديد وتحريض المحكمة الجنائية الدولية على التحقيق مع شركات أمريكية ومسؤوليها التنفيذيين، لتعلن وزارة الخارجية الأمريكية أنها لن تتسامح مع ما وصفته بـ”حملات الحرب السياسية والاقتصادية”، مؤكدةً أن أي تحقيقات مع قادة إسرائيليين أو كيانات أمريكية “غير شرعية ولا أساس لها من الصحة”.

وهنا كان وقع العقوبات على حياة ألبانيز قاسيا، فقد أُغلقت حساباتها المصرفية وسحبت بطاقاتها الائتمانية واضطرت في عدة مناسبات إلى استعارة بطاقة صديقة لمجرد السفر. كما تعرضت هي وعائلتها لتهديدات أمنية وفقد ابناها البالغان من العمر 12 و9 سنوات، جزءا كبيرا من طفولتهما الطبيعية بسبب ذلك. وفي مقابلة لها، عبرت ألبانيز عن معاناتها قائلة: “أُعاقب على عملي في مجال حقوق الإنسان”. والجدير بالذكر أن اسمها يظهر الآن على قائمة عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية إلى جانب أفراد متهمين بأنشطة إجرامية خطيرة، من بينهم تجار مخدرات مكسيكيون.

عقوبات الرئيس الأمريكي ترامب تلاحق الحقوقية ألبانيز

ترهيب العاملين وعرقلة القانون

وأجرت وكالة رويترز تحقيقا مستقلا شمل مقابلات مع مسؤولين أمريكيين وأمميين وحتى مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية وأفراد خاضعين للعقوبات، خلص إلى أن الحملة ضد ألبانيز لم تكن معزولة إذ وسعت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب استخدامها لسلاح العقوبات والتهديدات ليشمل قضاة ومدعين عامين في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وكان الهدف من هذه الخطوة جزئياً عرقلة أي إجراءات قانونية حالية أو مستقبلية قد تورط مسؤولين إسرائيليين أو حتى ترامب نفسه وأعضاء إدارته، فيما يتعلق بالعمليات العسكرية في الخارج.

ويرى النقاد أن هذه العقوبات تمثل سياسة ترهيب ممنهجة تهدف إلى بث الخوف في المؤسسات الدولية وردع المسؤولين عن الانخراط في القضية الفلسطينية، فمن خلال تجميد الأصول، تقييد الحركة واستهداف العائلات، لا تهدف العقوبات إلى عرقلة العمل المهني فحسب بل إلى تدمير الحياة الخاصة أيضا وتحويل المدافعين عن حقوق الإنسان إلى عبرة للآخرين.

الجدير بالذكر هنا أن العقوبات الأمريكية المفروضة على ألبانيز وثمانية قضاة من المحكمة الجنائية الدولية بالإضافة إلى ثلاثة مدعين عامين، لا تحظى بموافقة الجميع داخل الإدارة الأمريكية حيث دعا بعض المسؤولين إلى ضبط النفس، بينما تواصل شخصيات بارزة الضغط من أجل اتخاذ إجراءات أشد صرامة تهدف إلى تعطيل عمل المحكمة الجنائية الدولية وإسكات ألبانيز، لتوجيه ضربة قاسية للهيئات القضائية الدولية وهيئات حقوق الإنسان وتوصيل رسالة مفادها أن القانون الدولي يطبق بشكل انتقائي يلزم الضعفاء إذا أرادت واشنطن ذلك بينما يبقى الحلفاء والدول القوية بمنأى عن المساءلة.

وتدافع إدارة الرئيس الأمريكي ترامب عن إجراءاتها بالقول إن محاولات المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في جرائم مزعومة ارتكبها قادة إسرائيليون في غزة أو أفراد عسكريون أمريكيون “غير قانونية وذات دوافع سياسية”. إلا أن العديد من المحامين والدبلوماسيين وخبراء حقوق الإنسان يرون أن هجوم واشنطن على المحكمة الجنائية الدولية سيضعف إحدى الهيئات الدولية القليلة القادرة على محاسبة القادة النافذين بمن فيهم الأمريكيون، على الانتهاكات الجسيمة.

ويربط بعض المراقبين أيضا حملة العقوبات هذه بنمط أوسع من السلوك الأمريكي الذي يرونه انتهاكا للقانون الدولي، بما في ذلك اعتقال الرئيس الفنزويلي، الهجمات الدامية على تجار مخدرات مزعومين في منطقة الكاريبي، التهديدات بمهاجمة إيران، ومحاولات الضغط على الدنمارك حليفة الناتو لتسليم غرينلاند.

وأثارت هذه التطورات قلقا دوليا واسعاً بشأن مستقبل الأمم المتحدة نفسها، لا سيما بعد أن أنشأ الرئيس الأمريكي ترامب ما يسمى “مجلس السلام”، وهي مبادرة يقول منتقدوها إنها تهدف إلى إعادة تشكيل الحوكمة العالمية وفقا للهيمنة الأمريكية بدلا من التعاون متعدد الأطراف. ويخشى كثيرون أن يؤدي هذا النهج تدريجيا إلى إضعاف منظومة الأمم المتحدة وتحويلها إلى هيكل ضعيف خاضع لإرادة الولايات المتحدة.

ختاماً، وضع سياسة الرئيس الأمريكي ترامب الخارجية، فرانشيسكا ألبانيز والمحكمة الجنائية الدولية بل وحتى الأمم المتحدة نفسها، ضمن دائرة العقوبات الأمريكية، يثير تساؤلات عميقة حول حدود استخدام العقوبات كأداة للحوكمة العالمية وحول مستقبل العدالة الدولية ويعكس رؤية عالمية أوسع تقوم على الاعتقاد بأن الأمريكيين يستفيدون عندما لا يتقيدون بالمعايير والأطر القانونية الدولية.

المصدر: مسقط 24

→ السابق

إعادة فتح معبر رفح إجراء شكلي لم يخفف المعاناة

التالي ←

انهيار النظام الصحي في غزة وسط حصار إسرائيلي ممنهج

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة