منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر 2023، اتخذت جماعة الحوثيين في اليمن موقفا تصعيديا داعما للمقاومة الفلسطينية، تمثل في سلسلة من العمليات العسكرية البحرية استهدفت سفنا تجارية مرتبطة بإسرائيل أو تمر عبر البحر الأحمر، في محاولة لمنع إمدادات السلاح أو الدعم الاقتصادي عن تل أبيب. هذا الموقف اللافت، الذي أوجد بعدا إقليميا جديدا في الصراع، دفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى توجيه ضربات جوية وصاروخية إلى مواقع حوثية داخل اليمن في محاولة لردع الجماعة وإيقاف عملياتها. غير أن هذه الضربات، على الرغم من تكلفتها العالية، لم تحقق الأهداف المعلنة منها، بل أظهرت محدودية التأثير العسكري الأمريكي في ظل بيئة إقليمية معقدة واستراتيجية غير فعالة.
استمرار الدعم الحوثي لغزة رغم التصعيد الأمريكي
لم تفلح الضربات الأمريكية في كبح جماح الحوثيين أو إجبارهم على التراجع عن موقفهم الداعم لغزة. فعلى الرغم من تكثيف العمليات العسكرية ضد مواقع ومنشآت في صنعاء، الحديدة، وصعدة، وامتدادها إلى منشآت للطيران المسيّر ومنصات إطلاق الصواريخ، استمرت الجماعة في استهداف السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر وباب المندب، بل ووسعت نطاق عملياتها البحرية والجوية.
هذا الاستمرار يكشف أن الدافع لدى الحوثيين ليس فقط دعم المقاومة الفلسطينية، بل أيضا إظهار قدراتهم العسكرية المتنامية واكتساب نقاط قوة سياسية أمام الرأي العام المحلي والإقليمي. فهم يعتبرون أن ما يقومون به يأتي في إطار “الواجب الديني والقومي” لدعم غزة، ولذلك لم تعد لغة الردع العسكرية التقليدية كافية لإيقافهم.
القدرات الصاروخية والمسيرات لم تتأثر بشكل فعال
من أبرز مؤشرات عدم فعالية الضربات الأمريكية، بقاء المنظومة العسكرية الحوثية، وخاصة القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، في حالة نشطة. فخلال الأسابيع التي أعقبت سلسلة الغارات المكثفة، أعلنت الجماعة تنفيذ عمليات استهدفت موانئ ومناطق داخل إسرائيل، وواصلت استخدام المسيّرات والصواريخ البالستية لضرب أهداف بحرية وتجارية.
تظهر هذه الوقائع أن الحوثيين نجحوا في بناء شبكات إنتاج ونقل وإطلاق غير مركزية، مما جعل استهدافها بشكل مباشر أمراً بالغ الصعوبة. كما أن امتلاكهم لتكنولوجيا متقدمة نسبيا، سواء بتطوير داخلي أو بدعم من أطراف خارجية كإيران، مكنهم من تجاوز آثار القصف الأمريكي بسرعة نسبية.
العمليات الحوثية في الداخل الإسرائيلي والبحر الأحمر: مستمرة بلا توقف
تؤكد التطورات الميدانية أن الحوثيين ما زالوا فاعلين على أكثر من جبهة، فإلى جانب عملياتهم البحرية التي لم تنقطع، أشارت مصادر مختلفة إلى محاولات هجومية بطائرات مسيرة تجاه مناطق داخل إسرائيل، وإن تم اعتراض بعضها، فإن القدرة على تنفيذ هذه المحاولات في حد ذاتها تمثل تحديا أمنيا كبيرا.
أما في البحر الأحمر، فقد تحولت المنطقة إلى مسرح عمليات بحرية شبه يومية، مما اضطر العديد من شركات الشحن لتغيير مساراتها، وهو ما تسبب في تعطيل سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف النقل، ما يؤكد أن الاستراتيجية الأمريكية القائمة على القصف الجوي لم تُفلح في حماية الأمن الملاحي أو إيقاف التصعيد الحوثي.
الكلفة الباهظة للضربات الأمريكية مقارنة بجدواها
تشير تقارير متخصصة إلى أن كلفة كل ضربة أمريكية موجهة ضد أهداف في اليمن تتجاوز مئات آلاف الدولارات، بل إن بعض الصواريخ المستخدمة تتخطى المليون دولار للواحد. ومع توالي الضربات دون نتائج ملموسة، تتزايد التساؤلات حول فعالية هذه الاستراتيجية.
في المقابل، فإن الحوثيين لا يعتمدون على منصات إطلاق ضخمة أو قواعد مكشوفة يمكن القضاء عليها بضربة واحدة، بل يستخدمون تكتيكات حرب العصابات ونقل العتاد عبر مناطق جبلية يصعب رصدها. هذا الخلل في ميزان التكلفة والنتيجة، يجعل الضربات الأمريكية تبدو كأنها مجرد استعراض قوة أكثر منها وسيلة ردع حقيقية.
خيار وقف إطلاق النار في غزة كمدخل لحل شامل
في ظل فشل الخيار العسكري في تحجيم الدور الحوثي، تبرز ضرورة التحرك السياسي لإيجاد حل جذري يُنهي حالة التصعيد في المنطقة. ويكمن هذا الحل في التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل في قطاع غزة، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية دون قيود.
مثل هذا الخيار لا يخدم فقط الشعب الفلسطيني المنكوب، بل يُسهم أيضا في تهدئة الجبهات الأخرى، بما فيها اليمن. فطالما استمر العدوان على غزة، ستظل الأطراف الداعمة لها، كالحوثيين، ترى في تصعيدها ردا مشروعا ومطلوبا.
رؤية جديدة للخروج من الأزمة
إن الضربات الأمريكية على الحوثيين في اليمن، ورغم الزخم الإعلامي الذي صاحبها، لم تُحقق أهدافها الإستراتيجية ولا العسكرية. فالجماعة ما زالت تملك القدرة على تنفيذ عملياتها، ولم تُردع من مواصلة دعمها لغزة، بل على العكس، وجدت في هذه العمليات وسيلة لتعزيز شرعيتها أمام أنصارها، وكسلاح دعائي ضد خصومها.
من هنا، يتعين على صناع القرار في واشنطن النظر إلى جذور الأزمة، لا مظاهرها. فحل الأزمة في اليمن لن يتحقق بالقوة الجوية، كما أن حماية الملاحة لن تتم دون معالجة الأسباب السياسية للصراع. ويكمن المدخل الحقيقي لتهدئة المنطقة في وقف العدوان على غزة، وتوفير المساعدات الإنسانية، وفتح المجال لحوار إقليمي شامل يُنهي حالة الحرب ويُعيد الاستقرار إلى المنطقة.
التصعيد العسكري أثبت أنه ليس إلا حلقة في دائرة مفرغة. أما الحل، فبلا شك، يكمن في تبني مقاربة سياسية إنسانية شاملة، تضع حياة المدنيين في مقدمة الأولويات وتعيد للعالم العربي توازنه واستقراره.
المصدر: مسقط 24