تتسم العلاقات بين سلطنة عُمان وإيران بالاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وتعتبر نموذجا متميزا للتعاون الإقليمي القائم في منطقة وافرة بالتقلبات السياسية والاقتصادية. طوال السنين الماضية وحتى الأن نجحت السلطنة في تبني سياسة خارجية متوازنة ساعدتها في الحفاظ على علاقات ذات طابع ودي مع مختلف دول المنطقة وعلى رأسها إيران. وقد برزت هذه السياسة الرشيدة من خلال مستوى العلاقات الاقتصادية بحيث تنامت المصالح الاقتصادية والتجارية بين السلطنة وإيران بشكل ملحوظ في العقود الماضية ولاسيما السنوات الأخيرى وذلك بالرغم من التحديات الإقليمية والدولية المحيطة.
عززت الحدود البحرية بين البلدين الممتدة عبر مضيق هرمز (الشريان الرئيسي للطاقة العالمية)، إضافة إلى الروابط التاريخية والثقافية بين الشعبين والتي تعود إلى قرون مضت، التعاون الاقتصادي في مجالات عديدة أبرزها الطاقة والنقل البحري والصناعة والسياحة.
العلاقات الاقتصادية.. نظرة تاريخية
بدأت العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عُمان وإيران في التوسع منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أن التحول الكبير جاء بعد العام 2000، مع زيادة التبادل التجاري وتوقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية. وقد حرصت السلطنة على الاستفادة من الخبرات الإيرانية في بعض المجالات الصناعية، فيما استفادت إيران من السوق العُمانية كممر بديل للوصول إلى الأسواق الخليجية والدولية، خصوصًا في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من بعض الدول الغربية.
كما ساعد الموقع الجغرافي الاستراتيجي لكلا البلدين في تعزيز الشراكة الاقتصادية، إذ تطل عُمان على بحر العرب وبحر عُمان، بينما تطل إيران على الخليج العربي وبحر قزوين، ما يتيح فرصا كبيرة لتطوير شبكة نقل بحري مشتركة بين موانئ البلدين.
أرقام وإحصاءات رسمية حول التبادل التجاري
وفقا للبيانات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في سلطنة عُمان، والهيئة الإيرانية للتجارة الدولية، فقد شهد التبادل التجاري بين البلدين نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد عام 2016. وفيما يلي أبرز تلك الأرقام:
- في عام 2017: بلغ حجم التبادل التجاري بين عُمان وإيران حوالي 1.16 مليار دولار أمريكي، بزيادة تفوق 100% مقارنة بعام 2016.
- في عام 2018: ارتفع حجم التبادل إلى نحو 1.5 مليار دولار، حيث شكّلت الصادرات الإيرانية إلى عُمان حوالي 728 مليون دولار، بينما بلغت الصادرات العُمانية إلى إيران 772 مليون دولار.
- في عام 2021، ورغم التحديات الناتجة عن جائحة كورونا، بلغ حجم التبادل التجاري حوالي 1.3 مليار دولار.
وفي أحدث الأرقام الصادرة عن غرفة تجارة وصناعة عُمان، بلغ إجمالي الشركات الإيرانية المستثمرة في سلطنة عُمان 2710 شركات منها 1163 لمستثمرين إيرانيين بنسبة تملك 100 بالمائة وألف و547 بشراكة عُمانية إيرانية.
كما سجل حجم الاستيراد والتصدير المباشر بين الموانئ العمانية ونظيرتها الإيرانية خلال السنوات الماضية مناولة أكثر من مليون و400 ألف طن من مختلف البضائع، لتنمو بعدها الحركة التجارية بين الموانئ العُمانية لتصل بمعدل 5 إلى 7 رحلات يومية.
أبرز مجالات التعاون الاقتصادي
- قطاع الطاقة
يُعتبر التعاون في مجال الطاقة من أبرز ركائز الشراكة الاقتصادية بين عُمان وإيران. وقد ناقش البلدان عدة مشاريع لتصدير الغاز الإيراني إلى السلطنة عبر خط أنابيب يمر تحت مياه الخليج. ورغم تعثر بعض هذه المشاريع بسبب العقوبات الدولية، إلا أن المفاوضات استمرت وأبدى الجانبان رغبة مشتركة في تجاوز التحديات الفنية والسياسية.
- قطاع النقل والشحن البحري
نظرا لقرب موانئ البلدين من بعضهما البعض، شهد قطاع النقل البحري نموا كبيرا. وتربط موانئ مثل ميناء صحار وميناء بندر عباس خطوط شحن منتظمة، تُستخدم لنقل البضائع والركاب. ويُعد هذا القطاع من أكثر المجالات الواعدة، خاصة مع تطور البنية التحتية للموانئ في البلدين.
- القطاع السياحي
شهد القطاع السياحي تطورا لافتا، حيث جذبت الطبيعة العُمانية الفريدة عددا من السياح الإيرانيين، في حين جذبت المواقع الدينية والتاريخية في إيران السياح العمانيين. وتم التوصل إلى اتفاقات لتسهيل إجراءات التأشيرات، كما تم تسيير رحلات جوية مباشرة بين بعض المدن الرئيسية في البلدين.
- الاستثمارات المشتركة
أسست عُمان وإيران عددا من المشاريع الاستثمارية المشتركة، خاصة في المناطق الاقتصادية الحرة مثل “الدقم” و”صحار”. كما تعمل شركات إيرانية في مجالات التشييد والبنية التحتية داخل السلطنة، مستفيدة من البيئة الاستثمارية الجاذبة في عُمان.
مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين
كل الأرقام والتوقعات نشير إلى مواصلة نمو العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عُمان وإيران في المستقبل، ومن المتوقع أن يشهد المستقبل القريب تعاونا متزايداً في عدة مجالات:
- تنشيط مشاريع الطاقة المشتركة: لاسيما تصدير الغاز الإيراني إلى السلطنة، والذي يمكن أن يسهم في تعزيز الأمن الطاقي في المنطقة.
- التوسع في الاستثمار الصناعي والسياحي: في المناطق الاقتصادية الحرة العُمانية، بدعم من رؤوس أموال إيرانية.
- زيادة التبادل التجاري غير النفطي: مثل المنتجات الزراعية والبتروكيماويات والأدوية.
بالإضافة إلى تعزيز التعاون في مجالات التعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي لاسيما إذا تم تخفيف العقوبات المفروضة على إيران.
خاتمة
استطاعت سلطنة عُمان إيران من بناء نموذج متميز للتعاون الإقليمي القائم على حسن الجواؤ والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بحيث رفم التحديات المحيطة كونا شبكة ضخمة من التعاون الاقتصادي في قطاعات مختلفة وحيوية كالطاقة والنقل والسياحة والتجارة.
وتشير الأرقام والوقع أن المستقبل يحمل في طياته فرصا كبيرة ومثمرة للبلدين خاصة في ظل التوجهات العُمانية نحو تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات الأجنبية، والتطلعات الإيرانية لتوسيع نطاق تجارتها الدولية لاسيما مع دول الجوار.
المصدر: مسقط 24