في قلب رؤية السعودية 2030، يبرز مشروع نيوم كرمز للطموح التكنولوجي والاقتصادي، حيث يُروج له كمدينة مستقبلية تعتمد على الطاقة النظيفة والابتكار. إلا أن هذا المشروع الضخم، الذي يمتد على مساحة 26,500 كيلومتر مربع في شمال غرب المملكة، يثير تساؤلات جدية حول تأثيراته البيئية والمناخية. فبينما يُعلن عن التزامه بالاستدامة، تشير تقارير علمية وتحذيرات خبراء إلى أن نيوم قد تتحول إلى كارثة مناخية تهدد التوازن البيئي في المنطقة.
أحد أبرز الأصوات المحذرة هو البروفيسور دونالد ويبلز، العالم المتخصص في علوم الغلاف الجوي وعضو اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، والذي يعمل كمستشار في مشروع نيوم. وقد أعرب ويبلز عن قلقه من أن تصميمات المشروع، مثل مدينة “ذا لاين” الخطية، ومنحدرات التزلج، والجزر الاصطناعية، قد تؤدي إلى تغييرات في أنماط الرياح وهطول الأمطار، وتفاقم العواصف الرملية في المنطقة الصحراوية. وأشار إلى أن هذه التأثيرات لم تُدرس بشكل كافٍ، مما يزيد من المخاطر البيئية المحتملة.
انبعاثات ضخمة من مواد البناء
رغم الترويج لاستخدام “الأسمنت الأخضر” في مشاريع نيوم، والذي يُقال إنه يقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 30%، إلا أن ويبلز حذر من أن استخدام الأسمنت التقليدي ومركبات الاحتراق في البناء قد يساهم بشكل كبير في الانبعاثات الكربونية. وأشار إلى أن الانتقال البطيء من استخدام المركبات والمعدات التي تعمل بالوقود الأحفوري يزيد من البصمة الكربونية للمشروع.
تهديدات للتنوع البيولوجي والنظام البيئي
تقارير حقوقية وبيئية، مثل تقرير منظمة “القسط”، سلطت الضوء على المخاطر التي يفرضها مشروع نيوم على التنوع البيولوجي والنظام البيئي في المنطقة. فبناء “ذا لاين” قد يعيق طرق هجرة الحياة البرية وتنوع الطيور، بينما تشكل صناعة اليخوت في منطقة “سندالة” خطرا على النباتات والحيوانات البحرية. كما أن منحدرات التزلج المخطط لها في “تروجينا” قد تعرض التنوع البيولوجي للخطر بسبب استخدام الثلوج الصناعية.
الطيور والحياة البرية وتحلية المياه
العمارة الفريدة لمدينة “ذا لاين”، التي تتميز بجدران زجاجية عاكسة، قد تشكل خطرا على الطيور، حيث يمكن أن تتسبب في اصطدامها بالجدران نتيجة لانعكاس السماء والمناظر الطبيعية. كما أن إدخال نباتات غير محلية في التصميمات الخضراء قد يؤدي إلى اختلالات في النظام البيئي المحلي، مع احتمال انتشار أنواع غازية تؤثر سلبا على النباتات والحيوانات المحلية.
نظرا لموقع نيوم في منطقة صحراوية، فإن المشروع يعتمد بشكل كبير على تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاته المائية. إلا أن عملية التحلية تنتج مياه مالحة مركزة تُعاد إلى البحر الأحمر، مما يقلل من مستويات الأكسجين في المياه ويؤثر سلبا على الحياة البحرية، بما في ذلك الأعشاب البحرية ويرقات الأسماك.
ختاماً، بينما يروج مشروع نيوم لالتزامه بالاستدامة، بما في ذلك الحفاظ على 95% من المناظر الطبيعية الطبيعية وتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2030، إلا أن الواقع يشير إلى تحديات كبيرة في تحقيق هذه الأهداف. فالاستخدام المكثف للموارد، والانبعاثات الناتجة عن البناء، والتأثيرات البيئية المحتملة، كلها عوامل قد تقوض الجهود المعلنة لتحقيق الاستدامة.
المصدر: مسقط 24