أطلق مئات من أبرز العاملين في صناعة السينما حول العالم حملة واسعة تحمل اسم عمال السينما من أجل فلسطين (Film Workers for Palestine)، تهدف إلى مقاطعة المهرجانات والشركات والمؤسسات السينمائية الإسرائيلية المتهمة بالتواطؤ مع جرائم الاحتلال ضد الفلسطينيين.
الحملة، التي تعد من أضخم المبادرات الثقافية منذ بداية العدوان على غزة، سرعان ما تحولت إلى حركة عالمية تضم أكثر من ألف نجم مشهور، بينهم ممثلون ومخرجون وكتّاب وفنيون.
تفاصيل حملة عمال السينما من أجل فلسطين:
- عدد الموقعين: تجاوز عدد الموقعين 1200 أو حتى 1800 بحسب مصدر آخر.
- أهداف الحملة: مقاطعة مهرجانات وشركات وجهات سينمائية إسرائيلية يُعتقد أنها متواطئة في جرائم الاحتلال والإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين.
- الكيانات المستهدفة: مؤسسات إسرائيلية مثل مهرجانات (القدس، حيفا، دكافيف، TLVFest) وغيرها من السينما والمنتجين الذين يحظون برعاية الحكومة
- أبرز الموقعين: أوليفيا كولمان، مارك رافالو، تيلدا سوينتون، خافيير بارديم، ريز أحمد، آفا دوفيرني، يورغوس لانثيموس و إيما ستون، جوناثان غليزر، ليلي جلادستون، بيتر سارزغارد، وغيرها، ما رفع العدد إلى نحو 1800.
البيان المشترك الذي أطلقته المبادرة حظي بتوقيع أسماء بارزة مثل أوليفيا كولمان، مارك رافالو إلى جانب عشرات من صناع السينما المستقلين. وجاء في نصه أن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة لصياغة الوعي الجمعي، ومن ثم فإن الصمت أو التواطؤ مع الاحتلال في هذه اللحظة التاريخية يُعد شكلاً من أشكال المشاركة في الجرائم.
الموقعون شبهوا مقاطعة المؤسسات السينمائية الإسرائيلية بالتجربة التي ساعدت على إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مؤكدين أن “المقاطعة الثقافية كانت سلاحاً فعالاً في الماضي، وستكون كذلك الآن”. السينمائي البريطاني ديفيد فار، حفيد ناجين من المحرقة النازية، عبر بوضوح عن هذا الموقف قائلا: “لا أستطيع أن أسمح لعملي بأن يُعرض في إسرائيل… لقد تحول نظامها إلى أبارتهايد واضح ضد الفلسطينيين، وما يجري في غزة اليوم إبادة جماعية معلنة.”
استهداف المؤسسات وردود الفعل
الحملة حرصت على التوضيح أن المقاطعة موجهة ضد المؤسسات الرسمية والجهات المتواطئة، وليس ضد الأفراد. فقد شدد البيان على أن هناك أكثر من مليوني فلسطيني (عرب الداخل)، وأن المجتمع المدني الفلسطيني رسم خطوطاً واضحة للتعامل مع هذا الوضع. وبذلك يضع عمال السينما من أجل فلسطين إطاراً يوازن بين محاسبة المؤسسات المروّجة لسياسات الاحتلال، والحفاظ على مساحات التضامن مع الأصوات المعارضة من داخل إسرائيل نفسها.
ولم تمر هذه الحملة دون ردود. فقد سارعت جمعية المنتجين الإسرائيليين إلى وصف الدعوة بأنها “مضللة” و”تغلق الباب أمام الحوار”، معتبرة أن السينمائيين الإسرائيليين يمثلون أصواتاً متنوعة. لكن الناشطين في الحملة أكدوا أن المشكلة تكمن في التواطؤ المؤسسي، وأن أي مهرجان أو شركة تستمر في العمل تحت رعاية حكومة متهمة بجرائم حرب تصبح بالضرورة جزءاً من المشكلة.
اتساع التضامن ورفع الصوت الفلسطيني
هذه الخطوة (حملة عمال السينما من أجل فلسطين) لم تكن معزولة، بل جاءت في سياق سلسلة من المبادرات الفنية العالمية المتنامية ضد الحرب على غزة. فقد وقع مئات النجوم في هوليوود وأوروبا رسائل مفتوحة تندد بالصمت إزاء الجرائم الإسرائيلية، بينهم خواكين فينيكس، بيدرو باسكال، رالف فاينز، وغييرمو ديل تورو. كما أعلنت نقابات فنية، مثل جمعية الممثلين النرويجيين، دعمها للمقاطعة الثقافية. ومع إعلان حملة عمال السينما من أجل فلسطين، باتت المقاطعة تتحول من مبادرات فردية إلى حركة مؤسساتية عالمية لها صدى واسع.
تزامن إطلاق الحملة مع العرض الأول لفيلم “صوت هند رجب” في مهرجان فينيسيا السينمائي، وهو عمل يوثق قصة الطفلة الفلسطينية التي قُتلت على يد قوات الاحتلال في غزة. الفيلم، الذي شارك في إنتاجه أسماء بارزة مثل براد بيت، ألفونسو كوارون، وروني مارا، نال تصفيقاً حاراً استمر لأكثر من عشرين دقيقة، في مشهد اعتبره كثيرون دليلاً على أن السردية الفلسطينية بدأت تجد مكانها في أهم المحافل الثقافية العالمية.
الفن كسلاح أخلاقي
إن تصاعد الدعم لمبادرة عمال السينما من أجل فلسطين يكشف عن تحول في الوعي الثقافي العالمي. فالفن، الذي كان يُتهم أحياناً بالانفصال عن الواقع السياسي، يثبت اليوم أنه قادر على لعب دور مباشر في معركة الوعي. الحملة لا تقتصر على التضامن الرمزي، بل تشكّل ضغطاً عملياً على المؤسسات الإسرائيلية التي تسعى إلى تلميع صورة الاحتلال عبر “القوة الناعمة” للسينما. ومن شأن هذه الخطوة أن تزيد عزلة إسرائيل على الساحة الثقافية، كما حدث سابقاً مع نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.
ولا يمكن قراءة مبادرة عمال السينما من أجل فلسطين بمعزل عن التحولات العالمية الأوسع. فالمقاطعة الثقافية باتت جزءاً من استراتيجية أوسع للمجتمع المدني الدولي في مواجهة الاحتلال، في وقت تفشل فيه الحكومات الغربية في اتخاذ مواقف حاسمة. وبذلك تتحول الثقافة والفن إلى مساحات مقاومة بديلة، تضع الحكومات أمام مسؤولياتها الأخلاقية، وتعيد تعريف دور السينما كقوة سياسية في العالم.
ختاماً، تؤكد حملة عمال السينما من أجل فلسطين أن السينما لم تعد محايدة أمام الجرائم الإنسانية، بل أصبحت منصة أخلاقية وسياسية في آن واحد. ومع انضمام مئات الفنانين من مختلف أنحاء العالم، يترسخ الوعي بأن الثقافة ليست ترفاً وإنما جزء لا يتجزأ من النضال ضد الاستعمار والإبادة وأن مواجهة آلة القتل تبدأ أيضاً من شاشة السينما.
المصدر: مسقط 24
