في تطور خطير يعكس الانحراف الأخلاقي والسياسي للمملكة السعودية، كشفت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) وصحيفة “The Ditch” الأيرلندية تفاصيل مثيرة بشأن تمويل حرب الإبادة في غزة عبر شحنة فولاذ عسكري سعودية تصُدر إلى إسرائيل.
وفق ماكشفته كل من حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) وصحيفة “The Ditch” الأيرلندية، استخدمت سفينة تجارية سعودية، يملكها صندوق الاستثمارات العامة، لنقل 75 حزمة فولاذ من النوع العسكري، إلى ميناء إسرائيلي، وهو ما ينبئ بتورط سعودي مباشر في تصنيع أدوات القتل والتدمير في غزة، بما يتعالى على أي ادعاء بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.
تمويل حرب الإبادة: شحنة فولاذ سعودية
بالاستناد إلى وثائق وتحقيق The Ditch المدعوم بتقارير BDS، قادت شركة “فُلك البحرية Folk Maritime” السعودية، المملوكة لصندوق الاستثمارات مباشرة، سفينة تُدعى Folk Dammam (تعرف أيضا باسم Ever Golden) محملة بـ 75 حزمة فولاذ يتم تصنيفها عسكريا، مصدرها الهند، متجهة إلى معامل تصنيعية إسرائيلية متخصصة في إنتاج الدبابات والأسلحة الثقيلة.
وصول هذه الشحنات يعزز القدرات العسكرية الإسرائيلية التي تُستخدم بشكل منهجي في حربها ضد المدنيين في غزة. هذا الكشف يجعل من تمويل حرب الإبادة عملاً غير مستور، وليس مجرد تعاون اقتصادي أو شحن عادي. فالسعودية تمول عبر هذه الشحنة آلة الحرب التي قتل بها آلاف الفلسطينيين، وهذا يهدد جوهر قدم العلاقات بين الرياض والقضية الفلسطينية.
جرى تنظيف صورة هذه الشحنة إعلاميا باعتبارها “تجارة فولاذ”، في حين أن طبيعتها تستخدم في تصنيع المدرعات والدبابات الإسرائيلية، المستخدمة يوميا في القصف والتدمير في غزة.
وقد تم اعتبارها ضمن عمليات تجارية عادية، لكن الكشف استند لوثائق تجارية وبروتوكولات سلام جمركية، ما يؤكد أن تمويل حرب الإبادة كان مخططا له ضمن استراتيجيات شحنات تحمل علم السعودية وتخضع لإشراف صندوق الدولة ذاته.
صمت مريب وتورط مباشر
على الرغم من وضوح الأدلة، لم تُصدر الرياض أي نفي أو توضيح، واكتفت بالتغطية للصمت الرسمي. وهو ما يعكس استراتيجية واضحة لتجنب أي رد فعل شعبي أو إسلامي على هذا الانحياز. علاوة على ذلك، تزامن هذا التصرف مع زيارات سعودية-إسرائيلية مشبوهة إلى الولايات المتحدة، ترسم مشهدا أمنياً موارياً يخدم مصالح الرياض بعيدا عن أي التزام برفض الحرب على غزة.
بالتالي، تشير الوقائع إلى أن تمويل حرب الإبادة تم عبر مسارات سرية، تعكس رغبة سعودية في تقديم ضمان لمخططات الاحتلال تحت لواء الشراكة الإستراتيجية، دون أن يظهر ذلك في العلن أو أمام الرأي العام.
ونجحت الحركة الدولية BDS والصحيفة الأيرلندية The Ditch في كسر التكتم الإعلامي حول الشحنة، من خلال نشر تقارير ودعوات وجهتها إلى كل الدول الساحلية التي تمر بها السفينة في محاولة لمنع وصول هذه الشحنة وإيقافها. وكذلك طالبت النشطاء السعوديين بالضغط المباشر على شركة “Folk Maritime” لضمان عدم تحول سفنها إلى أدوات دعم عسكري لإسرائيل، وذلك في خطوة تضامن مع الشعور الدولي بأن تمويل حرب الإبادة هو عمل يجب مناهضته، ويعكس تواطؤا دوليا في إبادة المدنيين.
الشعوب ترفض والقادة تنحرف عن المسار
في الوقت الذي تسارع فيه السعودية خطواتها في مسار تمويل حرب الإبادة عبر شحنات الفولاذ والتنسيق الأمني غير المعلن مع الاحتلال، تبرز الهوة المتسعة بين مواقف الأنظمة وتطلعات الشعوب. فقد عبرت شعوب الخليج والمشرق العربي، مرارا، عن رفضها الصريح لأي تقارب مع إسرائيل، لا سيما في ظل جرائم الاحتلال المستمرة بحق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. ووفق استطلاعات حديثة أُجريت في عدد من الدول العربية، منها السعودية، فإن الغالبية الساحقة من المواطنين تعتبر إسرائيل عدواً مباشراً وترفض أي شكل من أشكال التعاون معها، أمنيا أو اقتصاديا أو ثقافيا.
ورغم هذا الإجماع الشعبي، تواصل السلطات في الرياض تبرير تقاربها مع الاحتلال تحت عنوان “مواجهة التهديدات الإقليمية”. إلا أن هذا التبرير يتجاهل حقيقة دامغة: التطبيع والتنسيق العسكري يجريان فيما تواصل إسرائيل ارتكاب مجازر جماعية بحق المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والنساء والمرضى، في عدوان يُوصف على نطاق واسع بأنه حرب إبادة.
هذا التباعد بين الخطاب الرسمي والوجدان الشعبي لا يعبر فقط عن فجوة في الرؤية، بل ينذر بخلل عميق في العلاقة بين الأنظمة وشعوبها، خصوصاً حين تقدم المصالح الأمنية الإسرائيلية على حساب دماء الأبرياء. ومع اتساع هذا الشرخ، تزداد التساؤلات: من يمثل من؟ ومن المستفيد من هذا الانقلاب على المبادئ؟ وهل يمكن لشراكة في الخفاء مع محتل أن تصنع مستقبلاً آمنا في ظل صمت أخلاقي مطبق؟ كل ذلك يعزز من فشل نهج تمويل حرب الإبادة، ويكشف عن مأزق أخلاقي وسياسي يهدد مستقبل المنطقة بأكملها.
ختاماً، يشكل ما كشفته BDS وThe Ditch نقطة مفصلية تكشف الوجه الحقيقي للعلاقات السعودية الإسرائيلية، وتنهي الغطاء الأخلاقي الذي حاولت السعودية ارتداءه. تمويل حرب الإبادة لم يعد سرا، بل حقيقة دامغة ينبغي أن يواجهها المجتمع الدولي والمواطن السعودي والمناصر لقضية فلسطين، بما يسير نحو تحرر سياسي حقيقي يرفض التطبيع الخفي.
المصدر: مسقط 24 + متابعات
