تواجه الولايات المتحدة أزمة اجتماعية وإنسانية متصاعدة مع اقتراب موعد توقف الحكومة الفيدرالية عن العمل، إذ يلوح في الأفق خطر تعليق برنامج المساعدات الغذائية “سناب”، الذي يعد أكبر شبكة دعم غذائي في البلاد. وتشير التقديرات إلى أن تعليق البرنامج سيعرض عشرات الملايين من الأميركيين لخطر الجوع وانعدام الأمن الغذائي، في واحدة من أشد الأزمات الاجتماعية المحتملة خلال السنوات الأخيرة.
منظمة هيومن رايتس ووتش حذرت من أن استمرار الشلل التشريعي والمالي بعد الأول من نوفمبر/تشرين الثاني سيعني وقف مدفوعات برنامج المساعدات الغذائية، ما سيجبر ملايين الأسر ذات الدخل المحدود على تقليص استهلاكها من الطعام أو البحث عن بدائل غير صحية وباهظة الثمن.
برنامج المساعدات الغذائية يغطي 42 مليونا
تغطي شبكة برنامج المساعدات الغذائية (Supplemental Nutrition Assistance Program – SNAP)، ما يقارب 42 مليون شخص في الولايات المتحدة، معظمهم من العاملين ذوي الأجور المنخفضة الذين لا تكفي دخولهم لتغطية الحاجات الأساسية.
ويؤكد خبراء التغذية أن البرنامج ساهم خلال العقود الماضية في تحسين صحة الفئات الهشة وتقليص معدلات سوء التغذية، إلى جانب تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، إذ تشير دراسات إلى أن كل دولار ينفق ضمن البرنامج يولد أكثر من 1.7 دولار من العائد الاقتصادي.
ورغم وجود نحو 5 مليارات دولار من الاحتياطات المالية المخصصة للطوارئ، فقد قررت السلطات الفيدرالية عدم اللجوء إليها، في مخالفة لتوجيهات سابقة أكدت على إمكانية استخدامها لضمان استمرار برنامج المساعدات الغذائية.
هذا القرار أثار انتقادات حادة من أجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني التي رأت فيه تجاهلاً للأولويات الإنسانية أمام الاعتبارات السياسية.
خفض التمويل والآثار
تفاقمت الأزمة عقب إقرار قانون في يوليو/تموز الماضي خفض تمويل برامج الحماية الاجتماعية، ومن ضمنها برنامج المساعدات الغذائية، بنحو 187 مليار دولار خلال عشر سنوات، لصالح تخفيضات ضريبية تصب أساساً في مصلحة الشركات الكبرى والأثرياء، وفق تقرير مكتب الميزانية في الكونغرس. هذه السياسات، بحسب خبراء الاقتصاد الاجتماعي، تُهدد بتقويض الثقة في المؤسسات الحكومية وتوسيع الهوة بين الطبقات، بما يغذي النزعات الشعبوية المتطرفة داخل المجتمع الأميركي.
تعليق برنامج المساعدات الغذائية لن يكون مجرد أزمة تمويل، بل أزمة اجتماعية واقتصادية شاملة. فملايين الأسر التي تعتمد على بطاقات الدعم الإلكتروني لشراء احتياجاتها الغذائية ستواجه خياراً مؤلماً بين توفير الطعام أو دفع فواتير الإيجار والطاقة. ويرى خبراء أن أي توقف للبرنامج قد يؤدي إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي، إذ يشكل المستفيدون منه جزءاً أساسياً من القوة الشرائية الوطنية.
ردود الفعل والحلول
تتابع المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها هيومن رايتس ووتش، القضية بقلق بالغ، مطالبة الحكومة الأميركية والكونغرس باتخاذ إجراءات عاجلة لضمان استمرار برنامج المساعدات الغذائية، ومشددة على أن الحق في الغذاء لا يجوز أن يستخدم ورقة للمساومة السياسية. كما رفعت 25 ولاية أميركية، إلى جانب مقاطعة كولومبيا، دعاوى قضائية ضد وزارة الزراعة للمطالبة بضمان استمرار صرف الإعانات خلال فترة الإغلاق.
أما بالنسبة للحلول المطروحة فتتمثل أبرز السيناريوهات ثلاثة مسارات:
- استئناف التمويل الفيدرالي عبر الكونغرس من خلال تمرير ميزانية عاجلة تعيد تفعيل برنامج المساعدات الغذائية.
- استخدام الأموال الاحتياطية كخيار مؤقت لتفادي الأزمة الإنسانية، رغم تردد الإدارة في ذلك.
- تدخل الولايات الأميركية عبر خطط طوارئ محلية لتوفير دعم بديل مؤقت، وإن كان محدود الأثر.
أزمة أخلاقية وسياسية
يؤكد الخبراء أن برنامج المساعدات الغذائية ليس مجرد وسيلة لتوزيع الغذاء، بل أداة رئيسية لضمان الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الإنتاجية والصحة العامة. فالبيانات تُظهر أن الأسر المستفيدة تنفق معظم الدعم في المتاجر المحلية، ما ينعش الاقتصاد المجتمعي ويخفض نسب الجريمة وسوء التغذية.
إلى ذلك، تكشف الأزمة الراهنة هشاشة النظام الاجتماعي الأميركي أمام الخلافات السياسية، حيث يتحول الدعم الإنساني إلى ورقة ضغط في المفاوضات المالية. وتعليق برنامج المساعدات الغذائية، إن حدث، لن يكون مجرد عثرة مؤقتة بل اختباراً أخلاقياً للدولة ومؤسساتها في مواجهة مسؤوليتها تجاه الفئات الأضعف.
ختاماً، إن توقف برنامج المساعدات الغذائية الأميركي يهدد بخلق موجة جديدة من الفقر والجوع، ويضع الولايات المتحدة أمام سؤال جوهري حول أولوياتها: هل تبقى شبكة الأمان الاجتماعي أولوية وطنية، أم تستبدل بحسابات سياسية ضيقة؟ وهنا يبقى مصير ملايين الأميركيين معلقاً بقرار واحد من الكونغرس والإدارة الفيدرالية، بينما تتسع رقعة القلق في مجتمع يفترض أنه الأغنى في العالم، لكنه اليوم يخشى الجوع إذا تعطل برنامج المساعدات الغذائية الذي يشكل آخر خط دفاع ضد الانهيار الاجتماعي.
المصدر: مسقط 24
