منع دخول الصحفيين الأجانب: حظر إعلامي لتعتيم الحقائق

منع دخول الصحفيين الأجانب

قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الذي أتى بالموافقة على استمرار منع دخول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزة، يأتي كخطوة منهجية لا تكتفي بصبغها بصبغة أمنية فقط بل تتحول إلى أداة لتقويض الحق في المعرفة وكتم الأصوات التي توثق الجرائم بحق المدنيين منذ اندلاع العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023.

أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية حكمها الأخير الذي يقضي بمنع دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة، بحجة “الاعتبارات الأمنية” والمخاطر التي قد تنجم عن دخول حر للمراسلين الدوليين؛ حيث قالت المحكمة إن السماح بذلك قد “يكشف مواقع الجنود ويعرضهم للخطر”.

ولكن حققيقة الأمر مغايرة تماما لذلك، ففي الواقع يُعد منع دخول الصحفيين الأجانب امتدادا لسياسة أقوى نحو حظر التغطية المستقلة، بعدما تحركت الجهات الصحفية الدولية باستمرار للمطالبة بفتح المعابر وتسهيل دخول الإعلام الدولي.

منع دخول الصحفيين الأجانب: أبعاد القرار 

إن منع دخول الصحفيين الأجانب يُعد انتهاكا لمبدأ حرية الصحافة الذي يكفله الحق الدولي لحرية التعبير (المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية).

كما أنه يحول تغطية الحصار والعدوان في غزة إلى حصرية محلية أو مراقبة عسكرية مقيدة، بدل تغطية مستقلة. فبدل أن يكون الدخول حرا وغير خاضع لرقابة ميدانية، يركز الدخول على مرافقات عسكرية أو زيارات محدودة تديرها القوات الإسرائيلية.

فضلاً عن أن القرار يعكس ما يعرف إعلاميا بـ “التحكم بالسردية”، حيث أن منع دخول الصحفيين الأجانب يعني أن الصور والمشاهد التي تصل إلى العالم هي تلك التي تختارها جهة الاحتلال أو تسمح بها تحت شروطها، ما يحول التغطية إلى عرض منسق أكثر من كونها عملا صحفياً مستقلاً.

منع دخول الصحفيين

تداعيات حظر الصحافة الأجنبية

  1. إن منع دخول الصحفيين الأجانب يسلب المشاهد العالمي إمكانية الحصول على تقارير مستقلة من الأرض، ما يزيد من الاعتماد على المصادر المحلية أو على ما تتيحه السلطات. وهذا بدوره يقلل من الشفافية والمساءلة.
  2. يضع هذا المنع ضغوطا شديدة على الصحفيين الفلسطينيين، الذين يتحملون وحدهم مهام التوثيق مع غياب تغطية دولية مستقلة، ما يعرضهم لمزيد من المخاطر. فقد تعرض عدد منهم للقتل أو الإصابة أثناء تغطيتهم الحرب.
  3. يشكل منع دخول الصحفيين الأجانب رسالة رمزية توجه للعالم مفادها: “نحن نحتكم إلى ما نختاره من تغطية، لا إلى ما ترونه بأنفسكم” أي نحن نريكم مانريد وليس ماتريدون أن تروه أنتم. وهذا يؤثر على تكوين الرأي العام الدولي وعلى الضغوط التي تتعرض لها إسرائيل من قبل المجتمع الدولي بشأن انتهاكات الحرب.

وقدمت مجموعة من المنظمات الدولية طلبات واستئنافات ضد القرار، معتبرة أن منع دخول الصحفيين الأجانب أمر غير مبرر في هذه الحرب التي يشترط فيها التوثيق والمساءلة.

كما أصدرت تحالفات الصحفيين والمؤسسات الحقوقية بيانات تدعو إلى فسح المجال فورا أمام الإعلام الدولي لدخول غزة بشكل مستقل.

من جهة إسرائيل، ما زال الحجة الرسمية للتأخير تكمن في “اعتبارات الأمن وحماية الجنود” والإمكانات اللوجستية للمعابر، لكنها مطروحة بوصفها ستارا لتأجيل فتح المجال بشروط حقيقية.

كيفية مواجهة المنع

  • المناصرة الدولية: الضغط على الحكومات والمنظمات الدولية لربط المساعدات والاتفاقيات بمتطلبات حرية الصحافة، بما في ذلك رفع منع دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة.
  • آليات دخول بديلة: اقتراح فتح “ممر خاص” للصحفيين الدوليين، تحت إشراف دولي أو دولي محلي، يسمح بتغطية مستقلة دون السيطرة المطلقة للجيش أو السلطة.
  • حماية الصحفيين المحليين: بما أن المنع ما زال قائما، فيجب تكثيف الدعم التقني، القانوني، والإعلامي للصحفيين الفلسطينيين، الذين يتم الاعتماد عليهم كثيرا في تغطية المشهد.
  • استغلال التقنيات الرقمية: حتى مع استمرار منع دخول الصحفيين الأجانب، يمكن دعم المبادرات التي تمكن الصحفيين المحليين من إرسال مواد رقمية، والتعاون مع وسائل الإعلام العالمية لنقلها وتحليلها بعيدا عن السيطرة العسكرية.
  • التوثيق القانوني والتحقيقات: دعم الجهات التي تتولى توثيق الانتهاكات الإعلامية وحقوق الصحافة، وتحفيز محاكمات أو تحقيقات حول منع التغطية الحرة كجزء من مسؤولية الدول عن الحريات.

ختاماً، إن منع دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة ليس قرارا عابرا أو مؤقتا، بل سياسة متعمدة لإدارة ما يعرض للعالم من حقائق وأحداث. هذه السياسة تؤثر سلبا ليس فقط على حرية الصحافة، بل على قدرة المجتمع الدولي على العدل والمحاسبة. وفي حين أن الحصار الجسدي على غزة يعمل في الميدان، فإن الحصار الإعلامي عليه يدار عبر أبواب مغلقة، خلفها يخفي ما لا يريد الآخرون أن يُرى. لكن التاريخ علمنا أنه مهما حاولوا طمس الحقيقة، ففي النهاية ستجد طريقها إلى النور.

المصدر: مسقط 24

→ السابق

رجل إسرائيل في العالم الإسلامي: الوجه الخفي للتطبيع الديني

التالي ←

مجلس الوزراء الإسرائيلي يطالب بقتل الأطفال والحمير عند الخط الأصفر

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة