حركة الملثمين الأحرار
حفي مشهد غير مألوف في تاريخ المملكة العربية السعودية، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي تسجيلات مصورة لوجوه ملثمة، تعلن عن انطلاقة حركة الملثمين الأحرار. هذه الحركة الجديدة لم تأت من خلف الحدود، بل من عمق مكة والرياض، وتتحدث بلسان أبناء البلد، معلنة تحديها للواقع السياسي والاجتماعي في السعودية، وموجهة خطابا ناقدا مباشرا إلى رأس السلطة، ولي العهد محمد بن سلمان.
في بلد تُحاصر فيه الأصوات الحرة وتُخنق فيه التعبيرات المستقلة، يبدو ظهور هذه الحركة لحظة فاصلة في مسار العلاقة بين السلطة والمجتمع. فهذه ليست حركة حزبية ولا تنظيماً مسلحاً، بل كما تقول عن نفسها: “تيار شعبي يسعى لاستعادة الكرامة وكسر جدار الخوف”.
حركة الملثمين الأحرار: لماذا “اللثام”؟
اختارت الحركة أن تظهر بوجوه ملثمة، وهو خيار رمزي قوي في بلد يُجرّم فيه التعبير عن الرأي المناهض للسلطة، ويُحاكم فيه النشطاء والمعارضون على تغريدات أو حتى إعجابات على منصات التواصل الاجتماعي. وتقول الحركة في أحد بياناتها المصورة:
“في بلاد الحرمين، أصبح قول الحقيقة جريمة… النظام لا يسمح إلا بوجوه تسبّح بحمد الحاكم وتروّج للتطبيع والانحلال”.
اللثام هنا ليس فقط وسيلة لحماية الهويات، بل أيضاً رسالة بحد ذاته: الناس لم يعودوا قادرين على الحديث بوجوههم المكشوفة في وطنهم. وهو انعكاس لحالة الخوف العام من القمع والملاحقات الأمنية التي طالت حتى من لا يملك منبرا سياسيا أو تأثيرا جماهيريا.
خلفية الظهور
تأتي انطلاقة حركة الملثمين الأحرار في سياق تصاعد الانتقادات الشعبية لسياسات محمد بن سلمان، لا سيما تلك المتعلقة بالتغييرات الاجتماعية الجذرية التي فرضها في السنوات الأخيرة، كفتح الباب واسعا للرقص والحفلات والمظاهر التي كانت حتى وقت قريب من المحرمات. وبينما احتفى بها الإعلام الرسمي كـ”انفتاح ثقافي”، يراها الكثير من السعوديين، وخاصة من المحافظين، تفريطا في هوية المجتمع ومكانة بلاد الحرمين.
ومع تزايد الفجوة بين النخبة السياسية والقاعدة الشعبية، وغياب أي قنوات للمشاركة السياسية أو التعبير الحر، يجد الخطاب الاحتجاجي في هذه الحركة قناة جديدة للتعبير، وإن كانت من وراء اللثام.
ملامح الخطاب وكسر الهيبة
توجه الملثمين الأحرار خطابا شديد الوضوح، يتهم النظام السعودي بممارسة القمع والاستبداد، وتبديل هوية المجتمع قسرا. ويتضمن الخطاب دعوة مباشرة إلى الثورة على الفساد والاستعباد، مستخدما لغة شعبية حماسية تخاطب مشاعر الغضب والخذلان لدى الكثير من المواطنين.
تقول إحدى الرسائل المصورة: “سرقوا ثرواتنا، سكتنا. هدموا القيم، صبرنا. والآن يريدوننا أن نرقص ونصفق في حفلاتهم ونحن عراة من الكرامة. كفى، آن أوان الوقوف”.
ومن أهم ما يميز هذه الحركة أنها تتحدى بشكل مباشر هيبة الدولة السعودية الحديثة، التي قامت منذ تأسيسها على مركزية السلطة، والولاء المطلق للملك ومن بعده ولي العهد. ففي بلد لا يُسمح فيه بالأحزاب ولا بحرية الصحافة، تعد أي حركة احتجاجية صريحة –خصوصا إن لم تُقم اعتبارا لـ”البيعة”– خرقا غير مسبوق للثوابت التي قام عليها النظام.
وهنا تكمن الخطورة – أو كما يراها البعض الأمل – من أن تكون هذه الحركة شرارة لحراك شعبي أوسع، خاصة إن استطاعت كسر حاجز الخوف لدى المواطنين واستقطاب أصوات من داخل المؤسسة الدينية أو القبلية، وهما دعامتان أساسيتان لبقاء النظام.
رمزية المكان والتفاعل
كون هذه الحركة تنطلق من مكة والرياض يضيف بعدا رمزيا عميقا. فمكة ليست فقط مدينة مقدسة، بل كانت تاريخيا مركزا لشرعية النظام نفسه، الذي يستمد جزءا كبيرا من مشروعيته من خدمته للحرمين الشريفين. أما الرياض، فهي قلب القرار السياسي، ما يجعل ظهور الحركة منها رسالة مفادها أن الاعتراض ليس هامشيا أو محصورا بطبقة معينة، بل ينبض من المركز ذاته.
ورغم حداثة ظهور الحركة، إلا أن الموجة التي أثارتها على منصة X و تيك توك، تشير إلى وجود حالة من التفاعل الشعبي، تتراوح بين التأييد الحذر والتساؤل المتردد. بعض المستخدمين أبدى تأييده للحركة، وشارك بياناتها المصورة، في حين شكك آخرون في مدى جديتها أو ارتباطها بجهات خارجية.
لكن ما يبدو واضحا هو أن الحركة لامست شيئا في وجدان قطاعات من السعوديين الذين يشعرون بالعجز والخذلان، ويتمنون لحظة يعبّرون فيها عن رفضهم دون خوف من الاعتقال أو الإقصاء.
المستقبل والمصير
المصير السياسي لحركة الملثمين الأحرار لا يزال غامضا. فالحركة تُدرك –كما يبدو من خطابها– أن النظام السعودي لن يتسامح مع أي شكل من أشكال التمرد، حتى لو كان رمزيا. ومن المتوقع أن تواجه حملة أمنية قوية إذا ما بدأت بالتوسع أو حاولت الانتقال من المجال الرقمي إلى الميدان الواقعي.
مع ذلك، فإن مجرد ظهورها يحمل في طياته مؤشرات على تغير المزاج العام، وعلى تصدّع في حاجز الصمت، وقد يُلهم مجموعات أخرى للتعبير بطرق مختلفة، سواء عبر الفن أو الإعلام أو التنظيم الميداني.
ختاماً، قد يكون من المبكر الجزم بمصير حركة الملثمين الأحرار، لكن المؤكد أنها فتحت كوة في جدار الصمت السياسي في السعودية، وكشفت عن تعطش بعض شرائح المجتمع للتعبير عن رفضها، بعد سنوات من التغييرات القسرية وسحق الحياة السياسية.
في بلد يسعى إلى تسويق صورة “التحول والانفتاح”، تأتي هذه الحركة لتقول إن التحول الحقيقي لا يكون إلا عندما يُسمع صوت الشعب، لا حين يُفرض عليه الرقص في ظل القمع.
ومهما كان مستقبل حركة الملثمين الأحرار، فإن لحظة انطلاقها تُمثل حدثا غير مسبوق في تاريخ السعودية الحديث، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تُرسم فيها معالم مختلفة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، بين الحاكم والمحكوم، وبين الصمت والاحتجاج.
المصدر: مسقط 24
