في خضم الحرب الدائرة في السودان وسيل الاتهامات اللامتناهية بضلوع الإمارات بالجرائم المرتكبة هناك، برز وسم “حبيبي قاطع دبي” على منصات التواصل الاجتماعي ليكون الحملة الرقمية الأكبر ضد الإمارات في السنوات الأخيرة.
مع توثيق جرائم الحرب المرتكبة من قبل قوات الدعم السريع بعد سقوط مدينة الفاشر بيدها وتزايد الاتهامات بضلوع الإمارات بدعم هذه القوات سياسيا وماليا وعسكريا، برز هذا الوسم “حبيبي قاطع دبي” كصيغة ساخرة من الجملة الترويجية الشهيرة “حبيبي تعال دبي” للتعبير عن الغضب العارم ضد الإمارات لتأجيج الصراع في السودان.
“حبيبي قاطع دبي”: حملة عالمية
رافق الوسم “حبيبي قاطع دبي” نشر صور ومقاطع فيديو توثق الفظائع التي ترتكبها قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيا في مدينة الفاشر السودانية من القتل الجماعي والاختطاف والتنكيل، مما أعطى زخما أكبر للحملة واتهام عشرات الآلاف من المستخدمين الإمارات بأنها “عصب التمويل” للدعم السريع.
وما جعل الحملة تخرج من المستوى المحلي إلى العالمية هو تفاعل الناشطة البيئية العالمية غريتا ثونبرغ بالتعاون مع مغني الراب الأمريكي ماكلمور، حيث نشرت الوسم “حبيبي قاطع دبي (والإمارات)” كصورة في منشور عبر حسابها على إنستغرام البالغ عدد المتابعين في كلا الحسابين أكثر من 16 مليوناً، معتبرة أن قوات الدعم السريع هي “يد الإمارات في السودان”، ومرفقة ذلك بالقول: “لا يمكن الحديث عن فلسطين دون الحديث عن السودان… لا يمكن الحديث عن السودان دون الحديث عن فلسطين… لطالما كانت نضالاتنا مترابطة… شعبنا واحد. وإذا دققت النظر، سترى نفس الظالمين سبب معاناتنا”.
وفي هذا السياق، نقلت كالة “فرانس برس” عن الباحث كريستيان كوتس أولريخسن أن “دبي بشكل خاص، التي تعتمد على القوة الناعمة، قد تتضرر بشدة من الحملة”، مؤكداً أن “العلامة الإماراتية” تواجه “تداعيات على السمعة” وهو ما تحاول تجنبه بأي ثمن.
الإمارات بين النفي والتأكيد
نفت الإمارات رسميا عدة مرات ضلوعها بتقديم أي دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وأكدت في عدة مناسبات التزامها بالحل السياسي ووقف إطلاق النار، وهذه المرة أيضاً وبالرغم من غضب الملايين حول العالم، اكتفت الخارجية الإماراتية باتهام ما سمتها “سلطة بورتسودان” بشن حملة دعائية ممنهجة ضدها. وهو ما أكده الأكاديمي الإماراتي المقرب من السلطة عبد الخالق عبد الله بالقول أن الهدف هو “تشويه صورة الإمارات”.
لكن العديد من التقارير والتحقيقات الاستقصائية تؤكد العكس تماما، فنقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن تقارير استخباراتية غربية، أن أبوظبي تعتبر الداعم الخارجي الأبرز لقوات الدعم السريع منذ بداية الحرب في أبريل 2023.
كذلك، أكدت تحقيقات مستقلة لصحيفة “Foreign Policy” وصحف عالمية أخرى، أن الإمارات استخدمت قواعد جوية في تشاد وليبيا لإرسال شحنات أسلحة من بينها طائرات مسيّرة لقوات الدعم السريع.
كما أن التسريبات الأمريكية التي نُشرت مؤخرا وعلى رأسها تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو بالقول: “نحن نعرف الدول التي تزود قوات الدعم السريع بالسلاح”، أكدت رغم عدم ذكر الإمارات أنها هي المقصودة.
شريك في الجرائم
في مدينة الفاشر التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيا، تتفاقم الأزمة لحظة بلحظة إذ تؤكد المنظمات الدولية تهجير جماعي لعشرات الآلاف من السكان، صول المساعدات الإنسانية مقطوع أو صعب للغاية، وأخيرا وجود أكثر من 130 ألف طفل محاصرين ومعرضين للعنف أو الاختطاف إذ تقول مسؤولة اليونيسيف “لا طفل في مأمن هناك” واصفة الوضع بأنه “كابوس إنساني”.
مصادر ميدانية أوضحت أن مقاتلي الدعم السريع استخدموا النساء كدروع بشرية ومنعوا عمليات الدفن، بينما لجأ السكان إلى مخابئ تحت الأرض لحماية أنفسهم من الطائرات المسيّرة. كما أن شهادات الناجين، التي نقلتها صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، تحدثت عن عمليات اغتصاب جماعي وتعذيب ممنهج.
هذه المعطيات جعلت من الإمارات شريكا مباشرا في زعزعة استقرار السودان، وتغذية النزاعات الإقليمية لصالح حسابات سياسية واقتصادية بعيدة عن أي التزام إنساني.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الدور الإماراتي سيزيد من تفاقم الأزمة ويطيل أمد الحرب، مما يهدد بانهيار مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.
ويبدو أن الصورة التي كانت تسوقها أبوظبي، التي لطالما اعتمدت على القوة الناعمة وتصدير نموذج “الملاذ الآمن”، وأنها قوة استقرار وممول للاغاثة باتت تواجه سقوطاً مدوياً، حيث ينظر إليها اليوم عبر حملة الاحتجاج العالمية من زاوية أخرى: كطرف يغذي النزاعات بدل أن يحلها.
ختاماً، حملة الاحتجاج والغضب عبر وسم “حبيبي قاطع دبي” ليست عابرة وآنية وإنما عبارة عن محكمة شعبية دولية تقاضي الإمارات عن دعمها للقوات المرتكبة للجرائم في السودان.
المصدر: مسقط 24
