في حدث غير مسبوق، هزت الغارة الإسرائيلية على الدوحة المشهدين الإقليمي والدولي بعدما استهدفت وفدا قياديا من حركة حماس في العاصمة القطرية. نجا القادة المستهدفون من الموت، فيما ارتقى عدد من المرافقين والعاملين في المكتب السياسي للحركة.
غير أن خطورة الهجوم لا تكمن فقط في حصيلته البشرية، بل في ما حمله من رسائل سياسية تتجاوز الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، لتصل إلى قلب الخليج، في اختبار مباشر لسيادة قطر ولدور الولايات المتحدة كحليف إستراتيجي لها.
تفاصيل الغارة الإسرائيلية على الدوحة
الجيش الإسرائيلي لم يُخف مسؤوليته عن العملية، بل تباهى بها في بيان مشترك مع جهاز الشاباك، زاعما أنه استهدف “قادة الصف الأول في حماس” باستخدام ذخائر دقيقة. لكن حجم القصف ووقوعه في حي سكني وسط الدوحة أظهر أن ما جرى أقرب إلى حرب مفتوحة منه إلى عملية نوعية محدودة.
التقارير العسكرية الإسرائيلية أوضحت أن التنفيذ شاركت فيه نحو 15 طائرة مقاتلة، مع عمليات تزود بالوقود في الجو، ما يعكس إعدادا مسبقا استمر لأشهر. بهذا، تتحول الغارة الإسرائيلية على الدوحة إلى علامة فارقة في نهج الاحتلال بالتمدد خارج فلسطين نحو مطاردة المقاومة في أي مكان.
ولا يمكن النظر إلى الغارة الإسرائيلية على الدوحة بمعزل عن سياسة الاحتلال في تصدير أزماته الداخلية. فإسرائيل، التي تواجه مأزقا في حرب غزة وتتعثر في تحقيق أهدافها المعلنة، اختارت توسيع رقعة الصراع عبر ضرب المقاومة في عاصمة خليجية. هذا السلوك يعكس ذهنية عصابات أكثر من كونه أي شيء آخر، إذ يخرق القانون الدولي ويستهين بالسيادة الوطنية للدول الأخرى. كما يعيد إلى الأذهان سلسلة اغتيالات إسرائيلية في لبنان وسوريا وتركيا، لكن توجيه القصف إلى الدوحة يمثل قفزة نوعية في مستوى التحدي.
الموقف الأميركي: دعم رغم التحالف مع قطر
الأخطر في المشهد أن واشنطن كانت على علم بالهجوم. فبحسب ما أكده وزير الخارجية القطري، لم تُبلغ الدوحة من الولايات المتحدة إلا بعد وقوع القصف بفترة وجيزة، ما يعني أن الإخطار كان شكليا لا أكثر.
إسرائيل من جهتها تحدثت بوضوح عن تنسيق مع الأميركيين، معتبرة أن العملية ما كانت لتتم دون دعمهم، خصوصا أن الأجواء الخليجية تخضع لرقابة مشددة في ظل وجود قواعد أميركية كبرى.
وبهذا، يصبح واضحا أن الغارة الإسرائيلية على الدوحة جرت بغطاء سياسي وأمني من واشنطن، رغم أن قطر تُعد حليفا استراتيجيا تستضيف أكبر قاعدة جوية أميركية في المنطقة. المفارقة أن الولايات المتحدة لم تكتف بعدم منع الهجوم، بل ساهمت في توفير بيئة تسمح بوقوعه، وهو ما يفضح ازدواجية في سياساتها بين الخطاب الدبلوماسي ودعم الأفعال الإسرائيلية.
الموقف القطري والتداعيات على الخليج
في رد سريع وحاسم، دانت قطر العملية بوصفها “هجوما جبانا وانتهاكا صارخا للقانون الدولي ولسيادة الدولة”، مؤكدة أن أجهزتها الأمنية تعاملت فورا مع تداعيات القصف. بالنسبة للدوحة، لم يكن استهداف قادة حماس فحسب هو القضية، بل اختراق سيادتها بشكل سافر من قبل إسرائيل بمباركة غير مباشرة من حليفتها واشنطن.
وهو ما يدفع قطر إلى إعادة النظر في دورها كوسيط تقليدي في النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، بعدما وجدت نفسها هدفا مباشرا في الغارة الإسرائيلية على الدوحة.
كما أن الهجوم يضع دول الخليج أمام معادلة جديدة: إذا لم تواجَه إسرائيل بردع سياسي وقانوني، فإن عواصم أخرى قد تكون عرضة للاستهداف. دول مثل الكويت وعُمان، التي تحافظ على توازن دقيق في علاقاتها الإقليمية، قد تجد نفسها مضطرة إلى تشديد سياساتها حيال استضافة وفود المقاومة أو لعب دور الوسيط. بهذا، فإن الغارة الإسرائيلية على الدوحة لم تستهدف قطر وحدها، بل فتحت جبهة قلق خليجية واسعة حول حدود النفوذ الإسرائيلي وحجم الدعم الأميركي له.
الارتدادات الدولية
على الساحة الدولية، لقيت العملية إدانات من عدة عواصم، أبرزها تركيا وإيران وروسيا ودول غربية كذلك، اللذين وصفوا الهجوم بانتهاك خطير للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. بريطانيا بدورها أعربت عن قلق بالغ، فيما حاولت الإدارة الأميركية التقليل من حجم التنسيق مع إسرائيل، رغم تأكيدات قطر والتصريحات الإسرائيلية. في النهاية، وضعت الغارة الإسرائيلية على الدوحة واشنطن في موقف حرج: فهي من جهة تؤكد التزامها بحماية حلفائها الخليجيين، ومن جهة أخرى تغض الطرف عن خرق سيادتهم لصالح أجندة إسرائيلية.
ختاماً، أثبتت الغارة الإسرائيلية على الدوحة أن الاحتلال لا يكتفي بحربه على غزة، بل يسعى لتوسيع رقعة الصراع لفرض وقائع جديدة في المنطقة. كما أثبتت أن الدعم الأميركي لإسرائيل يتجاوز حدود فلسطين، ليغطي اعتداءات تمس أمن واستقرار دول حليفة. قطر من جانبها ردت بوضوح، لكن يبقى السؤال الأهم: هل ستقف الدول العربية مكتوفة الأيدي إزاء استباحة عاصمة خليجية، أم أنها ستدرك أن الصمت اليوم يعني أن الدور قد يصل إليها غدا؟
المصدر: مسقط 24
