الحرب في غزة مستمرة، ومعها تتعالى أصوات الجنود، المنظمات، والشهود، لتكشف جانباً مظلماً من قتل أطفال غزة، ليس كإحصائية باردة، بل كعبَر وأزمات نفسية وأخلاقية يتحملها الفعل العسكري على الأرض وسلوك القادة تجاه المدنيين.
وهنا لابدّ لنا أن نستعرض شهادات جنود الاحتلال الأخيرة والمستجدات، وكذلك ردود فعل الدولية حول قتل أطفال غزة من أجل فهم أعمق لما يجري وكيف يُنظر إليه في القانون الدولي والضمير الإنساني.
قتل أطفال غزة: شهادات الجنود
خلال مقابلات نادرة، تحدث جنود من لواء ناحال عن قتل أطفال غزة باعتباره واقعاً يومياً يُثقل القلوب، حيث يشعر بعضهم بأنهم مجرد أدوات تطلق الرصاص بناءً على أوامر مبهمة أو تحذيرات خاطئة يترتب عليها موت طفولة بريئة.
أحد الجنود، الذي قدم شهادة مفصلة، تحدث عن إطلاقه مئات الرصاصات، لمجرد سماعه صراخ “مخربون!”، تبين لاحقاً أن الأمر خطأ، وعثر بعدها على جثتين لطفلين، شعر بأنه هو من قتلهما، وقاوم الصدمة حتى غالبه الرغبة في التقيؤ.
قناص آخر قال إنه يومياً يُطلق 50 إلى 60 طلقة على أشخاص يُقتربون من نقاط توزيع مساعدات، لا يدري كم منهم قتِلوا “كثيرون، بينهم أطفال”، وأضاف أن القيادة تصرخ في السماعة: “اقتل، اقتل!”، دون تمييز أو تحري لمدى الخطأ أو الخطر على مدنيين.
هذا النوع من الإجرام سبب انهياراً نفسياً لدى عدد من الجنود؛ بعضهم رفض العودة إلى المهام القتالية، أو طالب بتغييرات في مهامه، أو تعرض لمعوقات صحية نفسية حادة تفوق قدرته على التفاعل أو الاستمرار.
تقارير تشير إلى أن آلاف الجنود في الجيش الإسرائيلي طلبوا علاجاً نفسياً بسبب الصدمات الناتجة عن القتال في غزة، الأمر الذي يعكس عمق التأثر النفسي بسبب قتل أطفال غزة أو الشهادة عليه، أو بسبب الانخراط في عمليات تنتهك الحماية المدنية.
دلائل وتقارير مستقلة
منظمات حقوق الإنسان ومنظمات دولية مثل يونيسف والأمم المتحدة توثق حالات متكررة من قتل أطفال غزة خلال غارات جوية أو ضربات تستهدف مساكن أو مدارس أو أثناء وقوف المدنيين في طوابير للحصول على المساعدات.
تقرير من الأطباء الأجانب الذين عملوا في مستشفيات غزة يتضمن حالات لأطفال رضع أو صغار أصيبوا برصاص مباشر في الرأس أو الصدر – إصابات لا تُوصف بأنها “أضرار عرضية”. تشير التحليلات المختبرية للأشعة إلى أن بعض هذه الإصابات جاءت من ذخائر بعيدة المدى أو من نيران انطلقت بعد تحديد الهدف بدقة.
نقاشات قانونية تشير إلى أن قتل أطفال غزة بهذه الطريقة يدخل جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، خصوصاً مبدأ التمييز والموازنة بين الخسائر المدنية والأهداف العسكرية.
ردود الفعل الدولية
منظمات حقوقية ومنظمات للأطفال غاضبة من الصمت الدولي، وتطالب بتحقيقات شفافة ومستقلة عن قتل أطفال غزة، ومحاسبة مرتكبيها، وحماية المدنيين.
الأمم المتحدة حضت مرات عدة على وقف العمليات التي تسبب أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين، وخصت بالذكر الأطفال، معتبرة أن الحياة الإنسانية يجب أن تكون فوق الاعتبارات الاستراتيجية، وضرورة الفصل بين المقاتلين والمدنيين.
بعض الصحف العالمية وحتى الإسرائيلية تنتقد ما تُسميه “التعامل الانتقامي” أو “الروتين القاتل”، وتشير إلى أن قتل أطفال غزة لم يعد يُنظر إليه كحادثة عرضية بل كجزء من الواقع، مما يولد تساؤلات أخلاقية وسياسية في صفوف الجمهور وحتى العسكريين أنفسهم.
السياق القانوني والإنساني
حسب المعاهدات الدولية مثل اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولات جنيف، هناك التزام بحماية الأطفال والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين. قتل أطفال غزة الذي يحصل في الغارات أو خلال عمليات برية بدون تحقيق كافٍ في الأخطاء أو نقص التمييز يُعد من الانتهاكات.
المفاهيم الأخلاقية تقول إن فقدان الطفولة والموت الفجائي لطفل بسبب خطأ حتى لو كان ناتجاً عن التباس أو خطأ في تنفيذ أمر يترتب عليه مسؤولية أخلاقية كبيرة، ليس فقط للقادة الميدانيين بل للقيادة السياسية أيضاً التي تحدد القواعد أوعدل القوانين التي تُطبّق في ساحة القتال.
في النزاعات المسلحة الأخرى أيضاً، شهد العالم شهادات لجنود واجهوا صدمات نفسية بعد مشاركتهم في عمليات يُعتقد أنها ارتكبت فيها تجاوزات بحق المدنيين، ومن بينهم أطفال.
الفرق هنا أن قتل أطفال غزة تم توثيقه بكثرة، مع دلائل طبية وشهادات أطباء مستقلين، مما يجعله لا يُعزى فقط إلى “أخطاء وقتال تحت ضغط”، بل يُثار كشبه نظام يستوجب التحقيق الكامل، وطرح الأسئلة الكبرى: هل هناك سياسة غير معلن عنها؟ هل هناك تساهل مقصود تجاه الخسائر المدنية؟
ختاماً، قتل أطفال غزة ليس مجرد تقرير أو مادة إخبارية. إنه ندبة أخلاقية تُذيب الفوارق ما بين المقاتل والمدني، وتخلق أزمة إنسانية ونفسية لا تُمحى بسهولة. شهادات الجنود، والصور التي ترسلها المستشفيات، والإحصاءات المرعبة كلها تطالب بوقف لا بدّ منه للقتال بلا ضوابط، وبضرورة محاسبة لكل من يساهم في هذا النوع من الموت.
إن التمجيد بالانتصارات العسكرية أو التفسير بالاستخبارات أو الخطأ لا يكفي. حماية الأطفال، حماية الضحايا المدنيين، يجب أن تكون معياراً لا يساوم فيه أي معركة، لا يهم حجم التحديات، ولا أهمية الأهداف السياسية. العالم يراقب، والتاريخ لا ينسى.
المصدر: مسقط 24
