أثارت الأوامر الملكية الصادرة في 17 أغسطس/آب 2025 بإعفاء ثلاثة مسؤولين بارزين في المنظومة المسؤولة عن توطين الصناعات الدفاعية في السعودية – منهم مساعد وزير الدفاع طلال العتيبي، ورئيس المؤسسة (الهيئة العامة للصناعات العسكرية) محمد الماضي، والمستشار الحكومي غسان الشبل – نقاشا واسعا حول المسار الفعلي لتوطين هذه الصناعات وما إذا كان يسير بالسرعة والعمق الموعودين ضمن “رؤية 2030”.
بطء توطين الصناعات الدفاعية رغم الإنفاق الضخم؟
أشارت العديد من وسائل الإعلام إلى أن موجة الإقالات جاءت بوصفها تعبيرا عن إحباط متراكم من بطء التقدم النوعي في توطين الصناعات الدفاعية، حيث ظل معظم التوطين محصورا في نطاق التجميع والصيانة، بعيدا عن حلقات القيمة العليا كالبرمجيات المتقدمة والأنظمة المدمجة والبحث والتطوير.
وتبرز التقارير أن تغيير الوجوه القيادية يهدف إلى إعادة ضبط المسار، لكنه يكشف في الوقت ذاته عمق التحديات البنيوية التي تعترض التنفيذ.
من الزاوية المؤسسية، عكست الإعفاءات إعادة تقييم شاملة لأداء الجهات المحورية في المنظومة: الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) بوصفها المنظم والمُمكن، والشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) بوصفها الذراع التنفيذي والاستثماري.
ورغم أن الصياغات الرسمية أحالت القرارات إلى اعتبارات تنظيمية، إلا أن تزامنها وتسلسلها السريع رجحا أن الهدف هو امتصاص الضغط العام وطمأنة الشركاء الدوليين بأن الملف قيد “تصحيح مسار”، لا مجرد تبديل أسماء. هذا التفسير دعمه رصد صحفي تحليلي في منصات عربية ودولية خلال الأسبوع نفسه.
أين نقف من رؤية 2030؟
بحسب بيانات GAMI الرسمية، بلغت نسبة التوطين 19.35% بنهاية 2023 مقارنة بنحو 4% في 2018، بينما يبقى الهدف 50% بحلول 2030. ورغم أن هذه القفزة العددية تبدو كبيرة، إلا أنها جاءت دون أدلة كافية أو تفاصيل توضح طبيعة هذا التوطين: هل هو مجرد صيانة وتجميع، أم نقل فعلي للتقنيات الجوهرية؟ وفي ظل غياب الشفافية، يرى محللون أن الأرقام قد تكون أقرب إلى مؤشرات دعائية تستهدف طمأنة الرأي العام، أكثر من كونها تعكس تقدما حقيقيا.
وإذا بقي الوضع على هذا النحو، فإن توطين الصناعات الدفاعية سيظل شعارا استهلاكيا يستخدم في الحملات الرسمية، بدلا من أن يتحول إلى إنجاز استراتيجي ملموس.
وتتلاقى هذه المعطيات مع قراءة صحف عالمية، التي ربطت بين موجة الإعفاءات وفجوة الأداء النوعي ورأت فيها انعكاسا لاستياء من بطء المخرجات مقارنة بالإنفاق الضخم والوعود المعلنة. كما تذهب تقارير تحليلية “المونيتور” إلى أن الرسالة سياسية اقتصادية بامتياز: المطلوب نتائج ملموسة تظهر في سلسلة القيمة العليا، لا مجرد نسب تتقدم عبر عقود الإسناد والدعم اللوجيستي.
التبعية العسكرية
أحد أبرز مظاهر التعثر يكمن في استمرار التبعية للموردين الغربيين، حيث تعتمد الرياض على عقود تسليح بمليارات الدولارات مع شركات أمريكية وبريطانية وفرنسية لتأمين حاجاتها الدفاعية. وحتى في الاتفاقيات التي تنص على المحتوى المحلي، فإن جوهر التقنية يبقى محجوزا لدى الشريك الأجنبي، ما يجعل قدرة المملكة على تطوير أنظمة مستقلة محدودة للغاية.
هذه التبعية تعني أن أي خلاف سياسي مع الحلفاء قد يعرض الأمن الدفاعي لمخاطر، وهو ما يضع مشروع توطين الصناعات الدفاعية أمام سؤال استراتيجي: هل الهدف استقلالية حقيقية أم مجرد تنويع في عقود الاستيراد؟
وهنا تتجذر المعضلة في ثلاثة محاور:
- رأس المال البشري: لا يزال الاعتماد مرتفعا على الخبرات الأجنبية في الهندسة والبرمجيات والتكامل بين الأنظمة، وهو ما يحد من التمكين المحلي ويؤخر تشكل كوادر قادرة على قيادة المشاريع البحثية.
- هيكلة السوق ونقل التقنية: العديد من الصفقات تشترط نسب محتوى محلي من دون آليات إلزامية لتوطين المعرفة الجوهرية أو بناء مراكز تطوير مشتركة.
- سلاسل الإمداد: التوطين الحقيقي يتطلب شبكة موردين محليين للمكونات الدقيقة والإلكترونيات والمواد المتقدمة، وهو ما يحتاج سياسة مشتريات ذكية تربط العقود الدفاعية باستحداث موردين معتمدين محليا.
هذه النقاط ليست جديدة، لكنها باتت أكثر إلحاحا لأن توطين الصناعات الدفاعية لا يقاس بزيادة خطوط التجميع فحسب، بل بارتفاع المحتوى المعرفي والقدرة على التصميم والتطوير والاختبار محليا.
ما الذي تغير بعد الإقالات وما المطلوب لإغلاق الفجوة قبل 2030؟
المغزى الأبرز هو تحول الإقالة إلى أداة ضبط توقعات: رسالة للداخل بأن الأداء سيحاسب، وللخارج بأن التزامات العقود مقرونة بنقل تقنيات حقيقية. كما أنها تتيح إعادة توزيع للأدوار بين GAMI (منظم/ممكن) وSAMI (منفذ/مستثمر)، وتحفيز شراكات أكثر عمقا مع مُصنعين دوليين شريطة تضمين “سلالم توطين تقنية” قابلة للقياس، لا نسب تجميع فقط. هذا الاتجاه لمحت إليه تحليلات إقليمية حديثة تابعت تبدلات المشهد خلال أغسطس.
وإذا كان الهدف نصف الإنفاق محليا، فإن تحقيقه يتطلب انتقالا من “عقود تعويض” عامة إلى “خرائط طريق تقنية” تُحدد ما سينتقل من الملكية الفكرية، وما سيتأسس من مختبرات واختبارات، وما سيتولد من موردين محليين لكل برنامج تسليحي. كما يستلزم تسريع منح التراخيص للشركات الناشئة المتخصصة في الأنظمة غير المأهولة، الحرب الإلكترونية، والمحاكاة، وربطها ببرامج التمويل الحكومية. هنا تُظهر تجارب ناجحة عالميا أن بناء “معاهد مشتركة صناعية – أكاديمية” هو أسرع طريق لتقليص الفجوة في المهارات.
ختاماً، الإقالات ليست نهاية القصة بل بدايتها؛ نجاح الرؤية يتوقف على حزمة سياسات تجعل من “نقل التقنية” التزاما تعاقديا مُلزما، وعلى برنامج حازم لتأهيل الموردين المحليين، فبدون ذلك سيبقى توطين الصناعات الدفاعية عنوانا مكلفا بنتائج محدودة، بدلا من أن يكون قاطرة للتنويع الاقتصادي والسيادة التقنية التي تطمح إليها المملكة. وإذا أُحسن تنفيذ ذلك، يمكن أن يتحول ملف توطين الصناعات الدفاعية من عبء مُكلف إلى مكسب استراتيجي. أما إذا ظل التركيز على “نسب بلا مضمون تقني”، فستتكرر الأسئلة الصعبة التي فجرتها الإقالات. عندها يصبح تسريع توطين الصناعات الدفاعية اختبار مصداقية حقيقي قبل حلول 2030.
المصدر: مسقط 24
