في خطوة نادرة ذات دلالات روحانية وإنسانية عميقة، وجهت رسالة قراء القرآن في إيران نداء إلى كبار قراء القرآن المصريين، طالبوهم فيه باستخدام تأثيرهم المعنوي والديني للدفع نحو فتح معبر رفح أمام المساعدات الإنسانية العاجلة لغزة.
وفي ظل الحصار الخانق والتجويع الممنهج الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين في القطاع، جاءت هذه الرسالة لتعيد التأكيد على أن صوت القرآن لا يقتصر على التلاوة، بل يجب أن يتحول إلى فعل وتضامن عملي مع المظلومين، فهذه الرسالة لم تكن مجرد كلام بل تعبير عن صوت تلاوة طالما أسمع الناس آيات الله، واليوم يُسمع العالم صوت الحق لإيصال الضمير النابض لأهل غزة المحاصرين.
رسالة قراء القرآن: النص الكامل
بسم الله الرحمن الرحیم
إنَّ هذا القُرآن يَهدِي لِلَّتي هي أَقومُ (الإسراء: 9)
إلى حضرات القرّاء، علماء القرآن، وحَمَلة صوت الوحي في أرض مصر العزيزة،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نحن، جماعة قرّاء القرآن الكريم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، نكتب هذه الرسالة من منطلق الألم والحرقة على حال أمة الإسلام؛ ألمٌ مشترك يمزق قلوب كل مؤمن حر في هذه الأيام. إن غزة، الجرح النازف للأمة، تحتضر اليوم تحت ركام الحصار والحرب. أطفال بلا مأوى، نساء جائعات، جرحى بلا دواء ولا ملجأ؛ تلك هي صورة غزة اليوم.
إخوتنا القرآنيين!
لقد قرأنا نحن وأنتم القرآن سنين طويلة، وارتفعت أصواتنا بتلاوة آياته، لكن الوقت قد حان اليوم لأن يُسمع صوت القرآن، لا من حناجرنا فحسب، بل من مواقفنا أيضاً. اليوم القرآن يدعونا إلى المسؤولية، وقد أنذرنا بوضوح: “وَما لَكُم لا تُقاتِلُون في سَبيلِ اللَّهِ وَالمُستَضعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالوِلدانِ” (النساء: 75).
وإذا كنا اليوم لا نملك فرصة الحضور في ميدان القتال، فلابد لنا أن نؤدي دورنا في ميدان نصرة المظلوم. إن الدفاع عن المظلوم لا يحتاج دائماً إلى السلاح؛ فكلمة موقف صادق، ومطالبة شجاعة، وجهدٌ في فتح طريق لإغاثة المظلوم قد يكون أثره أبلغ من الرصاص.
ومن بين أهم سبل النجاة اليوم فتح معبر رفح؛ هذا الطريق الذي أُغلق فخنق أنفاس غزة. فإذا فُتح هذا المعبر، فلن تدخل المساعدات من طعام ودواء فحسب، بل سيدخل الأمل أيضاً. ونحن نعلم أن لكم ـ أيها الكبار القرآنيون في مصر ـ مكانة خاصة في الرأي العام، وفي المؤسسات الدينية، بل وفي مجال صناعة القرار في بلدكم.
لقد آن الأوان لأن يُسمع صوتكم القرآني في نصرة الشعب الفلسطيني الأعزل.
إنّ ما يرتكبه الكيان الصهيوني الغاصب في غزة اليوم من قتل جماعي، وحصار، وتجويع، ومجازر بحق النساء والأطفال، هو مثال صارخ على ذلك الظلم والطغيان الذي حذر القرآن الكريم من عاقبته: “وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ” (الشعراء: 227).
إن هذا الكيان الذي لوث الأرض بالدماء، ودمر البيوت، وقتل الأبرياء، يسير بلا شك إلى مصيره المحتوم. ونحن، حَمَلة القرآن، علينا واجب ليس التلاوة فحسب، بل الجهر بالموقف القرآني، وعدم ترك المظلومين وحدهم.
أيها الإخوة الأعزة!
لقد استيقظت الدنيا، وصوت المظلومين في غزة قد هز الضمائر في الشرق والغرب. ونحن على يقين بأنّ قلوبكم أيضاً تنزف ألماً من هذه الجرائم. فلنرفع صوت القرآن هذه المرة، لا بالصوت فحسب، بل بالفعل والوقوف إلى جانب المظلوم ليصل صداه إلى العالم أجمع.
“إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ” (الحجرات: 10).
والأخوّة تعني أن نشارك المظلومين آلامهم، وأن نسعى لفتح طريق لنجدتهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جماعة قراء القرآن الكريم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الموقعون على هذه الرسالة: “عباس سليمي، أحمد أبو القاسمي، كريم منصوري، محمد رضا بورزركري، شهريار برهيزكار، حميد شاكر نجاد، حامد شاكر نجاد، حميد رضا أحمدي وفا، سيد كريم موسوي، قاسم مقدمي، مهدي غلام نجاد، سعيد برويزي، سيد جواد حسيني، وسيد محمد حسيني بور”.
من التلاوة إلى الفعل: القرآن موقف
تكشف رسالة قراء القرآن أن تلاوة كتاب الله لا يجب أن تظل صوتا محفوظا في المحاريب فقط، بل واجبا يتحول إلى تحرك. في ظل المجاعة المتصاعدة في غزة، ومع الإحصاءات الأخيرة التي تؤكد أن أكثر من ثلث سكان القطاع لا يجدون ما يأكلونه لأيام متتالية، تصبح هذه الرسالة صرخة إنسانية مستندة إلى إيمان حي، لا يعرف الصمت أمام القتل، بل يحث على إنقاذ الأرواح، هذه الإشارات تشدد على أن صوت القرآن لا يقتصر على التلاوة، بل يتعداه إلى العمل، وهو ما حملته رسالة قراء القرآن بصدق، مطالبة القرّاء المصريين بأن يستخدموا مواقعهم المؤثرة في المطالبة بفتح رفح وإيصال المساعدات الغذائية والطبية إلى غزة المحاصرة.
فمنذ بدء العدوان، ظل معبر رفح مغلقا بشكل جزئي أو كلي، ما منع دخول المواد الغذائية والأدوية والمساعدات حيث يموت الآلاف جوعا ونقصا في الأدوية. وبحسب تقارير أممية متعددة، أدى الحصار والتجويع إلى وفاة أطفال نتيجة الجوع المباشر وارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأمهات الحوامل. وبالرغم من التحذيرات الدولية أن الموت جوعا بات أكثر رعبا من القصف، يبقى الواقع على الأرض شاهداً على دمار وعطش غزة للغذاء والماء، مما يجعل رسالة قراء القرآن نداء إنسانيا يتجاوز التلاوة إلى المطالبة عمليا بإغاثة الموتى قبل أوانهم، معتبرين أن فتحه ليس فقط عملا سياسيا بل واجبا دينيا وإنسانيا.
مسؤولية القراء والشعوب
تلقي الرسالة الضوء على الدور القوي الذي يمكن أن يلعبه أصحاب المكانة الدينية في التأثير على الرأي العام والحكومات وتثمل رسالة قراء القرآن رؤية جديدة لعلاقة التلاوة ومكانتها الروحية بمدى هذا التأثير.
فحين قرأ كبار القراء المصريين بصوت خاشع كانوا يعلّقون في الذاكرة صوت الرحمة، وحين تترجم التلاوة إلى فعل يكون الصدى أعمق لإحداث تأثير فعلي وفتح باب الضغط لتبني العمل ضد التضييق على غزة من قرّاء لهم مواقع اجتماعية وروحية كبيرة، مما يرسل رسالة واضحة للعامة أنه للصوت القرآني مسؤولية رافضة للصمت أمام المجازر والتجويع.
ورغم العديد من المواقف الرسمية المتخاذلة للحكومات العربية والإسلامية، فإن الشعوب العربية والمسلمة في كل بقاع الأرض أبدت مواقف صارمة لدعم غزة. التظاهرات، الحملات الرقمية، الدعم المالي، المقاطعة والمساندة كلها مؤشرات على أن المجتمعات ترفض هذا التجويع، وهو ما يعزز من رسالة هؤلاء القرّاء بأنها ليست منعزلة، بل تنبع من وجدان الأمة.
ختاماً، إن رسالة قراء القرآن تأتي في وقت حرج، حيث تعاني غزة من التجويع والقتل اليومي أمام صمت عالمي لا يترجم إلى فعل. وهذه الرسالة تجسد صوت التضامن القرآني وتعد بيان أخلاقي ديني يوقظ الضمائر، ويضع العلماء أمام مسؤولياتهم التي ترفع صوت قارئي القرآن ليدعو إلى ما هو أبعد من التلاوة: فتح أبواب الرحمة بفتح معبر يمكن الفلسطينيين من الوصول إلى المساعدة. إن استجابة القراء الكبار في مصر لنداء الأخوة في القرآن ستكون لحظة تاريخية، وتسديدا لرغبة الملايين المنسية في غزة بأن يفتح لهم منفذ للإنقاذ. فالأمل في القرآن لا يفنى ومع كل دعاء هناك دعوة للعمل.
المصدر: مسقط 24


