أعادت وثائق ورسائل بريد إلكتروني مسربة تتعلق برجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين إشعال التدقيق في علاقاته مع أصحاب النفوذ العالميين بمن فيهم محمد بن سلمان ولي العهد السعودي.
وكشفت هذه التسريبات عن عن شبكة معقدة من العلاقات المالية والسياسية والشخصية، بحيث أثارت العديد من التساؤلات حول تداخل أسواق السلع الفاخرة والدبلوماسية الدولية وكيفية التعامل مع سجل إبستين الجنائي.
محمد بن سلمان: شراء اللوحة
في عام ٢٠١٩، كشفت سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين إبستين والصحفي الأمريكي مايكل وولف، والتي نشرتها مؤخرا لجنة في الكونغرس، عن صفقة فنية استثنائية يبدو أنها استخدمت أيضا كورقة ضغط سياسي.
وتتمحور المراسلات حول شراء لوحة “سالفاتور موندي -Salvator Mundi” لليوناردو دافنشي مقابل ٤٥٠ مليون دولار، وهي صفقة وصفها إبستين بأنها “غير منطقية” من الناحية الفنية، لكنها تحمل دلالات سياسية عميقة.
وتشير الرسائل إلى أن ولي العهد السعودي استخدم عملية الشراء كوسيلة قد تمكنه من التأثير على قرارات السياسة الأمريكية في مناطق مثل اليمن وإيران.
وأبرز إبستين، الملياردير الروسي ديمتري ريبولوفليف الذي كان يملك اللوحة سابقا واشترى أيضا قصرا في بالم بيتش من الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، باعتباره شخصية محورية في هذه المعاملات المالية رفيعة المستوى، بحيث تساءل الصحفي وولف صراحة عما إذا كان محمد بن سلمان يدفع مقابل خدمات سياسية فألمح إبستين إلى وجود صفقة مشبوهة تربط السياسة الخارجية الأمريكية بقنوات مالية غامضة.
السياسية والمال والأخلاق
تُصوّر رسائل إبستين سوق الفن بأنه ليس مجرد مكان لجمع الأعمال الفنية بل هو أيضاً أداة استراتيجية قادرة على تهريب مبالغ طائلة من المال بعيدا عن الرقابة وتُظهر كذلك نظاما محكما تتقاطع فيه الثروة والسياسة والفن على أعلى المستويات، بحيث يبيّن إبستين تاريخ اللوحة بشرائها من قبل ريبولوفليف عام 2013 مقابل 127 مليون دولار عن طريق تاجر الأعمال الفنية السويسري إيف بوار، وظهورها المتواضع سابقا في مزاد علني، ليؤكد بذلك على التضخم الهائل في قيمتها السوقية بأنه “غير منطقي” وإنما يحمل دلالات سياسية.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية بالغة عند النظر إليها في ضوء السجل الإجرامي لإبستين الذي أُدين عام ٢٠٠٨ بتهمة استدراج قاصرات لممارسة الدعارة، وتم تسجيله كمجرم جنسي وخضع لقيود بموجب قانون ميغان الأمريكي الذي يلزم بإبلاغ المجرمين المسجلين للسلطات الأمريكية مسبقا عن أي سفر دولي، على أن تقوم الولايات المتحدة بإخطار الحكومات الأجنبية بصفة المسافر الجنائية، وبحسب “خدمة المارشالات الأمريكية” فإن قرار السماح بالدخول أو الرفض يعود للدولة المستقبلة بعد تلقي الإخطار.
مع ذلك، تكشف سجلات الرحلات الجوية أن إبستين زار المملكة العربية السعودية في نوفمبر ٢٠١٦، مسافرا على متن طائرته الخاصة من طراز غلف ستريم من باريس إلى الرياض، بحيث مكث في المملكة يومين خلال فترة تولي محمد بن سلمان منصب ولي العهد. ولا تزال التساؤلات قائمة حول الجهة التي سمحت بدخول إبستين، وما إذا كانت السلطات السعودية على دراية كاملة بوضعه الجنائي آنذاك.
وتشير الصور والوثائق المرفقة بهذه الزيارة إلى وجود علاقة بين إبستين ومحمد بن سلمان، إلا أن التفاصيل لا تزال غامضة، ففي رسالة بريد إلكتروني بتاريخ ديسمبر ٢٠١٦ إلى رجل الأعمال توم بريتزكر، أشار إبستين إلى تلقيه خيمة وسجادا وهدايا أخرى من ولي العهد، وعلق المنتج في وحدة تحقيقات CBS News، دانيال روتينيك، على هذه الرسالة قائلاً: “ما الذي كان يفعله إبستين ليستحق هذه الهدية من محمد بن سلمان؟ هذا لا يزال لغزا”.
توقيت هذه المراسلات وسريتها إلى جانب عادة إبستين الموثقة في بناء علاقات مع شخصيات نافذة، يثيران التكهنات حول طبيعة علاقتهما.
وتؤكد حوادث أخرى استمرار التداخل بين إبستين وولي العهد والمواقع الثقافية البارزة، فخلال زيارة محمد بن سلمان إلى باريس في أبريل/نيسان 2018، التقطت له صور في متحف اللوفر برفقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وفي الوقت نفسه تقريبا، كتب إبستين أن ولي العهد “حجز متحف اللوفر لنفسه، برفقة 400 حارس”، ملمحا إلى اجتماعات خاصة من الممكن أن تكون قد حصلت بينهما.
ورغم عدم وجود أدلة قانونية تربط محمد بن سلمان مباشرةً بجرائم إبستين، فإن تداخل هذه الأحداث والهدايا والدخول الخاص يبرز غموض هذه العلاقات رفيعة المستوى.
ختاماً، تظهر رسائل البريد الإلكتروني وسجلات الرحلات وتبادل الهدايا كيف استغل إبستين شبكته لأغراض شخصية وسياسية، جامعا بين أسواق السلع الفاخرة والممرات الدبلوماسية والنفوذ الخاص، كما تضع محمد بن سلمان في داخل حلقة أوسع تربط المال والحرب والقرار السياسي في صفقة واحدة مغلقة، وكذلك الآثار الأخلاقية المترتبة على الارتباط بمجرم جنسي مدان. وفي خضم مزاعم السعودية بالإصلاح والانفتاح، تبقى قضية إبستين اختباراً صعبا للشفافية بالنسبة للمملكة.
المصدر: مسقط 24 + متابعات
