يواصل ستة معتقلين سياسيين في بريطانيا، إضراب مفتوح عن الطعام كانوا قد بدأوه قبل أسابيع احتجاجا على قرار حكومتهم تصنيف حركة “Palestine Action” كمنظمة إرهابية، في واحدة من أبرز القضايا الحقوقية منذ سنوات طويلة في بريطانيا.
ويعترض المعتقلين الستة كذلك على تمديد احتجازهم، الذي يرونه حملة ممنهجة من القمع السياسي تهدف إلى إسكات من يعارضون الدعم العسكري والدبلوماسي الذي تقدمه لندن للاحتلال الإسرائيلي.
إضراب مفتوح عن الطعام
يعتبر المعتقلون أن الذي أوصلهم للدخول في إضراب مفتوح عن الطعام رغم تبعاته الصعبة، هو التطورات الأخيرة في السياسات البريطانية، التي باتت بحسب تعبيرهم، تعتبر أي شكل من أشكال المقاومة المدنية أو الاحتجاج السلمي ضد الشركات التي تزود الجيش الإسرائيلي بالسلاح أو تساند الاحتلال لوجستياً، أفعالاً إجرامية. ويرون أن هذا الموقف المتشدد يأتي استجابة لضغوط متزايدة من إسرائيل والولايات المتحدة لتكثيف القمع الموجه ضد النشاط المؤيد لفلسطين في المملكة المتحدة.
وقد تجاوز معظم الستة بالفعل الحد القانوني الأقصى للحبس الاحتياطي وهو ستة أشهر. وتعود التهم الموجهة إليهم إلى أعمال احتجاج وحملات ضغط استهدفت مصانع مملوكة لشركة السلاح الإسرائيلية “Elbit Systems” ومؤسسات بريطانية مرتبطة بها. وهي ذات الأنواع من الأعمال التي اشتهرت بها “Palestine Action” (عمليات نجحت في تعطيل أجزاء من خطوط إنتاج الأسلحة المستخدمة في غزة والضفة الغربية).
ومع دخول الحظر الحكومي حيز التنفيذ هذا العام، دخلت السلطات البريطانية مرحلة جديدة في تعاملها مع الحركة: إذ أعيد تصنيف النشاط المدني عملياً كعمل “إرهابي”، وأعيد تصوير النشطاء كـ”تهديدات أمنية”. وتقول منظمات حقوقية إن هذا التحول يكشف عن حكومة أكثر حرصاً على حماية صناعة السلاح منها على حماية حقوق مواطنيها في حرية التعبير والاحتجاج.
إهمال وعقاب ذاتي
في حلقة حديثة من بودكاست “Electronic Intifada“، قالت شقيقة المعتقل كمال أحمد، شاهمينا عالم، إن حالة شقيقها “تتدهور بشكل خطير”، مشيرةً إلى أنه بعد أسابيع من الامتناع عن الطعام بات بالكاد يستطيع البقاء مستيقظاً أو التنفس بشكل طبيعي.
وروت عالم تفاصيل مؤلمة لما وصفته بالإهمال الطبي الممنهج. وقالت إنه نقل إلى مستشفى في 25 نوفمبر، لكنه أعيد إلى السجن بعد ثلاثة أيام رغم تدهور حالته بعد إضراب مفتوح عن الطعام. ووصفت كيف أُعيد حافي القدمين، وحُرم من الاطلاع على ملفه الطبي، ومنع من التحدث مباشرةً مع الأطباء، واصفةً التجربة بأنها “أسوأ محنة إنسانية مر بها في حياته”.
وتشير هذه الروايات إلى أن السلطات لا تنظر إلى قضية “إضراب المفتوح عن الطعام” باعتبارها عملاً مشروعاً من أعمال الاحتجاج، بل كنوع من “العقاب الذاتي” يتحمل السجناء مسؤوليته وحدهم، وهو نهج يتعارض بشكل صارخ مع المعايير الدولية الخاصة بمعاملة المضربين عن الطعام.
أما بقية المعتقلين فهم أيضاً يدخلون مراحل حرجة من إضرابهم عن الطعام. وقد تجاوز عدد منهم ثلاثين يوماً دون طعام، ما يزيد المخاوف من تدهور صحي خطير واحتمال وقوع وفيات، وفقاً لمراقبين حقوقيين.
انتقادات واتهامات
ويواجه جميع المعتقلين الستة تهماً تتعلق بالمشاركة في أنشطة “Palestine Action” التي حدثت قبل تصنيف المجموعة منظمةً إرهابية، وبذلك تأجلت محاكماتهم، ما تركهم في حبس مطول من دون قرار قضائي نهائي وهي وضعية تزداد خطورة مع استمرار إضرابهم عن الطعام.
ويأتي هذا التدهور بينما تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى السلطات البريطانية، إذ يتهم جهاز الأمن باستخدام تشريعات مكافحة الإرهاب كأداة لمعاقبة الأصوات الداعمة لفلسطين الاي تشارك في الاحتجاجات ضد شركات السلاح المرتبطة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وتثير هذه السياسات تساؤلات جدية حول ما إذا كانت لندن قد باتت جزءا من منظومة تدعم الاحتلال عسكرياً وتستهدف معارضيه وكل من ينادي ضده.
وكانت الحكومة البريطانية قد أدرجت في يوليو الماضي مؤسسة “Palestine Action”، وهي حركة سياسية نشطة منذ 2020، ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، وذلك عقب نشاطات احتجاجية تضمنت اقتحام قاعدة “RAF” وسكب طلاء أحمر على طائرات تابعة للقوات الجوية احتجاجا على دعم بريطانيا العسكري للاحتلال الإسرائيلي في عدوانه على غزة.
وأدانت بريطانيا الحركة رسميا بحيث أصبح دعمها أو الانتماء إليها جريمة يعاقب عليها بالسجن حتى 14 عاماً، في نهج واضح يهدف إلى تكميم الأصوات الداعمة لفلسطين.
وقد اعتبرت المسؤولة في المؤسسة هدى عموري آنذاك، أن هذه الخطوة تمثل “استغلالا فاضحا للسلطة” مقابل عمل رمزي فقط.
ختاماً، مواصلة المعتقليين الستة إضراب مفتوح عن الطعام، يعكس في طياته الواقع الحقيقي للديمقراطية البريطانية التي لطالما ما تباهت المملكة بها، ويشكل اختبارا حقيقيا لقدرة المجتمع المدني على مواجهة القمع الذي تستخدمه الحكومة ليس فقط لدعم الاحتلال الإسرائيلي سياسيا وعسكريا وإنما بقمع كل من يرفض جرائمه أيضاً.
المصدر: مسقط 24
