صندوق الاستثمارات العامة بين نزيف الخارج وبطالة الداخل

صندوق الاستثمارات العامة

في كلمة حاسمة ألقاها محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ياسر الرميان، خلال منتدى FII Priority Europe 25، سلط الضوء على ما وصفه بانعدام الثقة المتزايد في المنظومات القانونية والمالية الأوروبية، مشيرا إلى أن هذه الأنظمة لطالما استنزفت أموال الخليج، وخاصة السعودية، ثم تبرأت منها بقوة القانون.

تأتي هذه التصريحات في ظل خسائر فادحة تكبدتها مؤسسات سعودية كبرى، مثل مجموعة العليان والبنك الأهلي السعودي، مما أثار تساؤلات حول جدوى الاستثمارات السعودية في أوروبا.

استنزاف صندوق الاستثمارات العامة: خسائر بمليارات الريالات

أشار الرميان إلى أن مجموعة العليان السعودية تكبدت خسائر تقدر بـ15 مليار ريال، في حين خسر البنك الأهلي السعودي أكثر من 4 مليارات ريال. هذه الخسائر، التي وصفها الرميان بـ”النصب المقنن”، تُعزى إلى استثمارات في مؤسسات مالية أوروبية لم تلتزم بالشفافية والمساءلة. وأكد الرميان أن “القطاع المالي السويسري لم يعد جذابا للاستثمار”، مما يعكس تحولا في النظرة السعودية تجاه الأسواق الأوروبية.

وكشف الرميان أن صندوق الاستثمارات العامة ضخ أكثر من 85 مليار دولار في اقتصادات أوروبا، مما أسهم في خلق أكثر من 245 ألف وظيفة هناك، مع طموح لرفع هذا الرقم إلى 328 ألف فرصة عمل بحلول عام 2030. إلا أن هذه الاستثمارات لم تنعكس إيجابيا على الداخل السعودي، حيث لا تزال معدلات البطالة مرتفعة، خاصة بين الشباب. هذا التناقض يثير تساؤلات حول جدوى توجيه الاستثمارات إلى الخارج في ظل الحاجة الماسة لتنمية الاقتصاد المحلي.

تساؤلات حول مستقبل الاستثمارات السعودية

يبدو أن مسلسل الإنفاق السعودي الخارجي بلا مساءلة يطرح تساؤلات حادة حول البوصلة الاقتصادية التي تقود صناديق الدولة السيادية. ففي ظل خسائر فادحة طالت كيانات اقتصادية كبرى كالبنك الأهلي ومجموعة العليان، بات من المشروع بل من الواجب التساؤل: هل تستحق الأسواق الأوروبية، التي أظهرت برودا قانونيا تجاه المستثمر الخليجي، كل هذه المليارات؟ هل تم التغاضي عن حاجات الداخل التنموية، وعن آمال أجيال كاملة تبحث عن وظيفة أو فرصة حقيقية للاندماج في الاقتصاد، فقط من أجل أن تكتسب النخبة صورة زائفة عن الانفتاح والحداثة؟

لا يبدو أن ضخّ 170 مليار دولار في اقتصادات أوروبا بحلول عام 2030 يحقق مكسبا وطنيا إذا كان مردوده مجرد تصفيق خارجي وتوظيف شعوب أخرى، بينما يئن السوق المحلي تحت وطأة الاستهلاك والترفيه المفرط وتفشّي بطالة مدقعة بين الشباب.

خسائر صندوق الاستثمارات في البنك السويسري

من بطالة الداخل إلى “كاش ترامب”

لا يمكن عزل ظاهرة البطالة المتنامية بين الشباب السعودي عن السياسات المالية التي يتبعها بعض صناع القرار، الذين لطالما فضلوا البريق الخارجي على الاستثمار الحقيقي في الداخل. فبينما يكدّ الشباب في الجامعات دون أن يجدوا لهم فرصة حقيقية ومناسبة في سوق العمل، تُهدر عشرات المليارات في مشاريع ووجهات لا تخدم أولويات المجتمع. أحد أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة إلى الرياض، حيث أُعلن عن صفقات وتفاهمات بمليارات الدولارات، رغم سجل ترامب المليء بالإساءات اللفظية والتهديدات المباشرة لدول الخليج قبل وبعد رئاسته.

هذه الأموال التي تدفقت بسخاء، تحت شعار “شراكة استراتيجية”، لم تخلق مصنعا في الداخل، ولم تُحل أزمة سكن، ولم تُخفّض نسب البطالة.

غياب المحاسبة

المفارقة أن السياسات ذاتها تستمر، إذ تُضخ الأموال إلى أسواق متخمة بالفعل، تحت ذريعة العوائد المستقبلية أو “التموضع الدولي”، بينما تغيب المحاسبة الجادة حول أثر كل ريال يُصرف خارج الحدود. أليس من الأجدر أن يُستثمر هذا المال في التعليم، في الابتكار، في الصناعة، وفي خلق وظائف مستدامة داخل الوطن؟ أليست السيادة الحقيقية تبدأ من الاكتفاء، لا من التبعية للأسواق التي تتنكر للمستثمر حين يُمنى بالخسارة؟

إن تصريحات ياسر الرميان لم تكن مجرد نقد عابر للأسواق الأوروبية، بل جاءت كصرخة تحذير من داخل أروقة القرار السعودي، تعكس تراكمات من السياسات غير المدروسة التي وضعت أموال الشعب في مهب مغامرات استثمارية خارجية غير مأمونة. لقد تكشّف الآن حجم الخسائر التي مُني بها الاقتصاد السعودي جراء هذه التوجهات، في وقتٍ لا تزال فيه نسب البطالة مرتفعة، والمجتمع بأكمله يعاني من اختلالات في توزيع الثروة، وضعف في توليد الفرص داخليا.

ختاماً، إن الإصرار على ضخّ مليارات الدولارات من صندوق الاستثمارات العامة في أسواق أجنبية تحت ذرائع الشراكة والانفتاح، دون تحقيق مردود ملموس يعود على المواطن، يطرح تساؤلات مشروعة عن أولويات السياسات المالية للدولة. لا يمكن أن يكون الرخاء شعارا حقيقيا إذا ظلت عوائد الاستثمارات تنعكس على الخارج أكثر من الداخل.

إن الوقت قد حان لإعادة ضبط البوصلة الاستثمارية، وتوجيه الموارد نحو الداخل السعودي، لبناء اقتصاد حقيقي، قائم على الإنتاج، على المعرفة، وعلى تمكين الإنسان السعودي، فالثروات التي وُلدت من باطن الأرض، لا يجوز أن تُهدر في مضارب الخارج، ولا أن تُسخر لتلميع صورة دولةٍ غنية، بل يجب أن تكون وقودا لبناء وطن مستقل، مزدهر، وعادل.

المصدر: مسقط 24

→ السابق

الشراكة الاستراتيجية بين سلطنة عُمان وإيران في ضوء زيارة الرئيس الإيراني إلى مسقط

التالي ←

سلطنة عُمان تعلن عن عطلة عيد الأضحى المبارك لعام 1446هـ

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة