شهد ميناء جنوة الإيطالي في 7 أغسطس 2025 حادثة غير مسبوقة حين اعترض عشرات العمال سفينة الشحن السعودية بحري ينبع، وسط مزاعم قوية بأنها تحمل شحنة ضخمة من الأسلحة الموجهة بصورة غير مباشرة إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي في وقت تستعر فيه الحرب على غزة، في مشهد يعكس تصاعد المقاومة الشعبية والنقابية ضد تجارة الأسلحة وعسكرة الموانئ الأوروبية.
وصلت سفينة الشحن السعودية بحري ينبع، وهي من طراز Ro-Ro، إلى ميناء جنوة قادمة من ميناء بالتيمور الأمريكي، وكان مخططا أن تتوقف لتحميل معدات عسكرية من صنع شركة “ليوناردو” الإيطالية، أبرزها مدافع “أوتو ميلارا” البحرية. ورغم أن الوجهة المعلنة للشحنة كانت أبوظبي، إلا أن طبيعة الأسلحة والتجارب السابقة أثارت مخاوف جدية من احتمال وصولها إلى إسرائيل عبر قنوات إمداد غير مباشرة.
اعتراض سفينة الشحن السعودية بحري ينبع
التفتيش الذي أجراه نحو 40 من عمال الميناء كشف حمولة مثيرة للجدل: أسلحة نارية، ذخائر، متفجرات، مركبات مدرعة، ودبابات، معظمها أمريكي الصنع من مصانع ألاباما، إلى جانب المدافع الإيطالية التي استخدمت سابقا في هجمات البحرية الإسرائيلية على أحياء غزة في أكتوبر 2023.
العمال المنتمون إلى “الاتحاد النقابي الأساسي” (USB) و”التجمع المستقل لعمال الموانئ” (CALP) قرروا منع تحميل أي معدات عسكرية على سفينة الشحن السعودية بحري ينبع، معتبرين أن مشاركتهم في هذا العمل تعني التواطؤ في “جرائم حرب وإبادة جماعية” بحق الفلسطينيين.
الشعار الذي ردده المحتجون كان واضحا: “لا نعمل من أجل الحرب”. فيما حاولت السلطات الإيطالية عبر جهاز الشرطة (ديغوس)، الحد من انتشار الصور التي وثقها العمال للشحنة العسكرية إلا أن بعض اللقطات تسربت إلى العلن مما زاد الضغوط الإعلامية والحقوقية. وتحت وطأة هذا التحرك، اضطرت هيئة الميناء إلى مناقشة إنشاء “مرصد دائم لتهريب الأسلحة” بحلول سبتمبر القادم، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي.
انتصار نقابي وثغرات القانون الدولي
بعد أيام من الاحتجاج، أعلنت النقابات أن الحاويات الثلاث المحملة بالمعدات العسكرية على متن سفينة الشحن السعودية بحري ينبع والتي كانت متجهة إلى ميناء “لا سبيتسيا” لن تُفرغ، بل ستعود من حيث أتت. هذا القرار عد “انتصارا ملموسا للعمل النقابي”، ورسالة قوية بأن تعطيل اللوجستيات الحربية أمر ممكن وضروري.
شبكة عمال الموانئ عبر أوروبا والمتوسط، من مرسيليا إلى بيريوس وهامبورغ وطنجة، أبدت تضامنها الكامل مع خطط لعقد جمعية دولية في أواخر سبتمبر لبحث تنظيم إضرابات واسعة على مستوى القطاع البحري.
هذه الحادثة سلطت الضوء على مشكلة أعمق: ثغرات قوانين تصدير الأسلحة، التي تسمح ببيع المعدات العسكرية لدول ليست في حالة حرب رسمية، لكنها قد تعيد تصديرها أو استخدامها في صراعات أخرى. هذا الفراغ القانوني يجعل من السهل الالتفاف على القيود الدولية، ويضعف الرقابة على استخدام الأسلحة في مناطق النزاع.
القوانين الإيطالية والأوروبية تمنح العمال الحق في الإضراب إذا كان الهدف حماية الأمن الجماعي أو الدفاع عن الدستور، وهو ما استند إليه المحتجون في تبرير تحركهم. لكن المؤسسات السياسية والاقتصادية، بحسب النقابات، غالبا ما تحاول تقويض هذه الحقوق لصالح المصالح التجارية والعسكرية.
السعودية بين النفي والاتهامات
الشركة المالكة لـ سفينة الشحن السعودية بحري ينبع نفت تماما نقل أي أسلحة لإسرائيل، مؤكدة التزامها بسياسات المملكة بشأن التعامل مع تل أبيب. لكن هذا النفي لم ينه الشكوك، خصوصا أن السفينة نفسها واجهت اتهامات مشابهة عام 2019 عندما اكتُشفت شحنة أسلحة مخفية تحت غطاء شحنة مدنية.
وبالنسبة لمنتقدي السياسة السعودية، فإن مثل هذه الحوادث تعكس شبكة معقدة من التحالفات والصفقات التي تجعل من الصعب تتبع المسار النهائي للأسلحة. ففي حين لا توجد علاقات دبلوماسية رسمية بين الرياض وتل أبيب، فإن الواقع الميداني يكشف عن تداخل غير مباشر في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية.
إضراب عمال ميناء جنوة ونجاحهم في تعطيل شحنة عسكرية على متن سفينة الشحن السعودية بحري ينبع مثل نموذجا لقدرة القوى العمالية على التأثير في السياسة الدولية من خلال الضغط المباشر على سلاسل التوريد. هذه الحادثة قد تشجع تحركات مشابهة في موانئ أخرى، خصوصا مع اتساع رقعة التضامن الدولي مع غزة.
ختاماً، كشفت هذه الحادثة عن عمق تورط بعض الدول الأوروبية والعربية في تجارة السلاح التي تغذي النزاعات، وأظهرت أن كسر هذه الحلقة يتطلب إرادة سياسية وشعبية تتجاوز البيانات الدبلوماسية.
وفي ظل استمرار الحرب على غزة وتورط أطراف متعددة في دعم آلة الحرب الإسرائيلية، تبقى حادثة سفينة الشحن السعودية بحري ينبع، مثالا حيا على أن مقاومة الإبادة يمكن أن تبدأ من أبعد نقطة عن ساحات القتال، حتى من رصيف ميناء على شاطئ البحر المتوسط.
المصدر: مسقط 24
