احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين أمريكا وإيران جذب الاهتمام الإقليمي والعالمي، ولكن في نفس المنطقة تتجلى أزمة لاتقل خطورة وهي الصراع السعودي الإماراتي.
وبينما يتجه الاهتمام العالمي غالبا نحو احتمال المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، تتكشف أزمة أخرى أكثر هدوءا ولكنها بالغة الأهمية في منطقة الخليج: التنافس المتصاعد بين السعودية والإمارات.
فبعد أن كانت تربط الدولتين شراكة استراتيجية وثيقة، انتقلتا تدريجيا إلى مرحلة من التنافس المتزايد الذي أصبح علنيا ويؤثر بشكل مباشر على الديناميكيات السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة الخليج والشرق الأوسط عموما.
بداية الصراع السعودي الإماراتي
خلال معظم الفترة التي تلت عام ٢٠١٥، بدا التحالف السعودي الإماراتي وكأنه يشكل ركيزة النظام الإقليمي. فقد اتحد البلدان في العديد من القضايا التي كان أبرزها دعم الثورات والتدخل عسكريا في اليمن مع محاولة إعادة تشكيل السياسة الإقليمية.
إلا أنه مع مرور الوقت برزت رؤى متباينة، حيث سعت السعودية بالاعتماد على ثقلها الديموغرافي ورمزيتها الدينية إلى إعادة تأكيد مكانتها كقائدة إقليمية مركزية، بينما سعت الإمارات إلى تعزيز نفوذها من خلال قوتها الاقتصادية وسيطرتها على الموانئ وطرق التجارة وتحالفاتها الدولية الواسعة.
أدى هذا التناقض الهيكلي تدريجيا إلى تقويض التحالف، محولا الشراكة إلى منافسة سرعان ما أصبحت علنية.
مجالات الصراع
المجال الاقتصادي: أصبح هذا المجال أحد أبرز ساحات التنافس في الصراع السعودي الإماراتي فمن خلال برنامج رؤية 2030 أطلقت الرياض مسعى طموحا لإعادة ابتكار نفسها كمركز عالمي للاستثمار والسياحة مرتكزة على مشاريع ضخمة في البحر الأحمر ونيوم. وشكلت هذه المبادرات تحديا مباشرا للنموذج الإماراتي ولا سيما نموذج دبي وأبوظبي اللذين رسخا مكانتهما لسنوات كمركز رئيسي للتجارة والخدمات اللوجستية والتمويل في منطقة الخليج.
وبلغت التوترات ذروتها عندما اشترطت السعودية على الشركات الأجنبية نقل مقراتها الإقليمية إلى المملكة وهي خطوة اعتبرت على أنها استهدافا لهيمنة دبي. كما اشتدت المنافسة في قطاعي الطيران والسياحة حيث أنهت الاستثمارات السعودية وإطلاق شركة طيران وطنية جديدة احتكار الإمارات شبه الكامل لهذين القطاعين.
المجال السياسي: زاد الانقسام السياسي من حدة الصراع السعودي الإماراتي، ففيما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل اتخذت الإمارات خطوة حاسمة نحو علاقات مفتوحة في عام 2020 ساعية إلى شراكة اقتصادية وأمنية شاملة بمعزل إلى حد كبير عن الرأي العام العربي. في المقابل تبنت السعودية موقفا أكثر حذرا مقيدة بدورها الديني وحساسياتها الداخلية وبضرورة الموازنة مع الشرعية الإسلامية الرمزية. ويعكس هذا التباين اختلافا أوسع بين براغماتية الإمارات وجهود السعودية للتوفيق بين الطموح السياسي والاعتبارات الدينية والاجتماعية.
وفي الملفات الأخرى ذات الحساسية العالية لكلا البلدين تجلى الصراع السعودي الإماراتي بشكل أوضح، ففي اليمن بدأت الأولويات تتباين بشكل حاد منذ عام 2018، حيث ركزت السعودية على أمن الحدود والحفاظ على دولة يمنية موحدة تحت حكومة حليفة بينما دعمت الإمارات القوات الانفصالية الجنوبية وسعت إلى السيطرة على الموانئ والجزر الاستراتيجية. وأدت هذه التناقضات إلى انهيار التحالف المشترك محولة اليمن إلى ساحة مواجهة غير مباشرة.
وبالنسبة للسودان لم كن الأمر مختلفا كثيراً حيث دعمت الرياض الجيش الوطني بينما ارتبط اسم أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع مبررة موقفها بتصوير الجيش على أنه متأثر بالإسلاميين.
وتمتد الخلافات إلى منطقة القرن الأفريقي بشكل أوسع، حيث تميل السعودية إلى دعم الحكومات الرسمية ومؤسسات الدولة، بينما تعتمد الإمارات على الميليشيات والجهات الفاعلة المحلية لتأمين الموانئ وطرق التجارة.
الخطاب الديني والإعلام: دخل الصراع السعودي الإماراتي مؤخرا مرحلة جديدة تتسم بحرب سردية مفتوحة، فقد وجه مستشار إماراتي بارز هجوما على “الوهابية” مصورا إياها كمصدر للتطرف، في محاولة لإحراج الرياض داخلياً وخارجياً وربطها مجدداً بصورة دينية متشددة. وجاء هذا الهجوم في توقيت بالغ الحساسية إذ يسعى ولي العهد السعودي إلى إعادة تعريف الهوية الدينية للمملكة من خلال التحديث الاجتماعي والانفتاح.
وكشفت ردود الفعل السعودية على مواقع التواصل الاجتماعي عن حساسية متزايدة تجاه هذا الخطاب إذ يخشى أن يعيد إحياء مفهوم الوهابية فتح نقاشات داخلية حساسة. في الوقت نفسه، اتهم معلقون سعوديون الإمارات بخدمة المصالح الإسرائيلية، بينما يصور الخطاب الإماراتي الرياض على أنها متأثرة بالإسلاميين.
ويكمن وراء هذه المناوشات صراع أوسع نطاقا على الزعامة الإقليمية، حيث تسعى السعودية إلى استعادة أدوار تعتقد أنها فقدتها خلال العقد الماضي بينما تستغل الإمارات اقتصادها المتنوع واندماجها في الشبكات الغربية.
الجدير بالذكر أن جهود الوساطة التي بذلتها قطر وتركيا حتى الآن لم تسهم في حل النزاع، كما أبدت واشنطن تردداً في الانخراط بشكل عميق في الصراع بين حليفين رئيسيين.
ختاماً، رغم حدة الصراع السعودي الإماراتي يبقى حدوث قطيعة كاملة أمراً مستبعداً لوجود مخاوف أمنية مشتركة وترابط اقتصادي وضغوط خارجية مفروضة، إلا أن استمرار هذا الصراع ينذر بتفاقم وسوء الأوضاع في اليمن والسودان والقرن الأفريقي وإضعاف مجلس التعاون الخليجي وتحويل منطقة الخليج إلى ساحة منافسة. وبهذا المعنى، لم يعد الصراع السعودي الإماراتي شأنا خليجيا داخليا بل أصبح عاملا حاسما في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط واستقراره.
المصدر: مسقط 24 + متابعات
