تستعر اليوم في المملكة العربية السعودية ظاهرة باتت تتجاوز كل المعايير: موجة الإعدامات السعودية التي اجتاحت البلاد منذ بداية 2025، وتحولت إلى أداة واضحة لقمع أي صوت معارض أو مستقل. موجة الإعدامات السعودية هذه لم تكتفِ بتأجيج خشية المجتمع المدني داخلياً، بل دفعت عائلات المحكومين والأوساط الحقوقية إلى إطلاق إنذارات متلاحقة حول انتهاكات الإجراءات القانونية وغياب الحد الأدنى من الشفافية.
منذ مطلع العام اتسع نطاق تنفيذ أحكام الإعدام في السعودية بصورة غير مسبوقة؛ أعداد كبيرة من الإعدامات كانت لأشخاص أدينوا بجرائم مخدرات، كما شملت حالات لمدافعين وناشطين وصحفيين مثل قضية الصحفي البارز تركي الجاسر. يمكن وصف السياسة الحالية بأنها انتقال من معاقبة الجرائم الخطيرة إلى توظيف حكم الإعدام كأداة ردع سياسي ورقابة على حرية التعبير. منظمات حقوقية دولية وثقت أيضاً أن عدد الذين أُعدموا حتى منتصف العام يفوق بكثير مستويات السنوات السابقة، وأن شريحة كبيرة منهم من الأجانب الذين يفتقرون لتمثيل قانوني فعال.
موجة الإعدامات السعودية: منظمات حقوقية وتقارير
وفقاً لبيانات حديثة صادرة عن منظمة “ريبريف” الدولية، نفذت السلطات السعودية حتى الخامس من أغسطس/آب الجاري ما لا يقل عن 241 عملية إعدام، بينها 22 حالة خلال أسبوع واحد فقط، وهو رقم قياسي مقلق قد يحطم جميع الأرقام السابقة إذا استمرت الوتيرة الحالية حتى نهاية العام.
منظمة “هيومن رايتس ووتش” والمنظمات الأخرى مثل “مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط“ (Middle East Democracy Center) أطلقت تحذيرات متكررة وصفت وتيرة موجة الإعدامات السعودية بأنها “غير مسبوقة” و”موجهة سياسياً”. هذه المؤسسات سلطت الضوء على أن المملكة نفذت مئات الأحكام منذ العام الماضي وحده، وأن جزءاً كبيراً منها كان لأسباب مرتبطة بقوانين مكافحة الإرهاب أو جرائم المخدرات التي تُستخدم بصورة موسعة لتعريف سلوكيات سلمية على أنها “إرهاب”.
كذلك، حذرت كلتا المنظمتين هيومن رايتس ووتش ومركز الديمقراطية في الشرق الأوسط، من أن السلطات السعودية توظف الجهاز القضائي كسلاح سياسي لإسكات أي صوت معارض، في ما وصفوه بـ”الإعدام الممنهج” و”القتل برعاية الدولة”. لكن الدعوات الدولية لوقف هذه الموجة بقيت حتى الآن محدودة التأثير نتيجة علاقة الرياض الجيوسياسية والاقتصادية مع قوى عالمية.
الباحثة جوي شيا من “هيومن رايتس ووتش” شددت على أن موجة الإعدامات السعودية الجارية تمثل “عدداً مرعباً من الإعدامات” في أحدث مظاهر الاستبداد، لافتة إلى أن انعدام الشفافية يجعل من المستحيل تقريباً التحقق من الأرقام الحقيقية أو معرفة ظروف المحاكمات.
تركي الجاسر نموذجاً
حالة تركي الجاسر صارت رمزاً مروعاً: اعتقال منذ 2018، اختفاء قسري طويل، محاكمة غير شفافة، ثم إعلان التنفيذ في يونيو 2025. مؤسسات صحفية وحقوقية أكدت أن التهم المتعلقة “بالخيانة” أو “التعاون مع جهات خارجية” جاءت غامضة، وأن مسار المحاكمة لم يستوفِ معايير العدالة الدولية. إعدام جاسر يؤكد، بحسب مراقبين، أن القمع امتد ليشمل من يجرؤ على فضح الفساد أو نشر معلومات حساسة، وأن الضمانات القضائية في هذه القضايا تبدو وهمية.
الجاسر كان معروفا بإدارته لحساب “كشكول” على منصة “إكس” (تويتر سابقا) الذي كشف ملفات فساد وانتهاكات حقوقية داخل العائلة المالكة وأجهزة الأمن. اعتُقل عام 2018 في حملة أمنية موسعة، وجرى احتجازه في سجن الحائر سيئ السمعة، حيث تعرض للتعذيب الممنهج، وحُرم من محاكمة علنية أو حضور محامٍ أو تواصل مع أسرته.
وفق شهادات عائلته، لم يتم إبلاغهم بالحكم أو موعد الإعدام، ولم تسلم السلطات جثمانه حتى اللحظة، في أسلوب متكرر لإرهاب أسر الضحايا ومنعهم من إقامة جنازات علنية قد تتحول لاحتجاجات سياسية.
تداعيات داخلية وخارجية
التحول إلى سياسة تنفيذية بهذه الكثافة يحمل تكلفة رمزية وسياسية كبيرة: داخلياً يتزايد الخوف والالتزام بالصمت بين الصحفيين والنشطاء، وخارجياً يتعرض النظام لتمييز متزايد في خطاب حقوق الإنسان، ما يضع شركاءه الغربيين أمام معضلة أخلاقية بين المصالح الاقتصادية والمبادئ. في الوقت نفسه، استهداف أجانب بأحكام إعدام يقلق دولاً كثيرة ويثير ضغوطاً دبلوماسية، لكنها لم تؤدِ حتى الآن إلى تغيير ملموس في سلوك الرياض.
الرد الدولي الهادئ أو المتردد على مودة الإعدامات السعودية ناجم عن خليط من المصالح الاقتصادية والضغط السياسي؛ لكن المدافعون عن حقوق الإنسان يطالبون بآليات ردع حازمة: عقوبات مستهدفة على المسؤولين، إيقاف مبيعات تسهيلات أمنية قد تُستخدم لقمع المعارضة، وربط الشراكات الاقتصادية بشروط شفافية قضائية واحترام الحد الأدنى لحقوق الإنسان. كذلك، المطالبة بفتح تحقيقات دولية في قضايا الإعدامات التعسفية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصحفيين أو معتقلين اختفت آثارهم لسنوات، تبقى ضرورة ملحة.
ختاماً، موجة الإعدامات السعودية تمثل تحولاً خطيراً في أداء الدولة تجاه معارضيها وخصوصاً الصحفيين والمدافعين عن الحقوق. الحد من هذه الظاهرة يتطلب رداً دولياً موحداً وعملاً دبلوماسياً مستمراً مع فتح قنوات ضغط قانونية وسياسية فعالة. أما المجتمع المدني الدولي ووسائل الإعلام فلا بد أن يستمروا في توثيق الحالات وكشف الانتهاكات حتى لا يصبح الصمت حكماً نهائياً على حرية التعبير والحياة.
المصدر: مسقط 24
