مسار التطبيع السعودي: بين الانتظار والمواقف المشروطة

مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي

منذ أن انطلقت مساعي التطبيع العربي مع إسرائيل علنيا بشكل جدي، بات “مسار التطبيع السعودي” واحدا من الملفات الأكثر حساسية وتشابكا على الساحة السياسية في الشرق الأوسط.

فبعد سنوات من التحرك خلف الكواليس، جاءت حرب أكتوبر 2023، ودورها في قطاع غزة، لتعيد رسم الكثير من حدود هذا المسار، وتضع أمامه معوقات جديدة، سواء من الجانب الإسرائيلي أو من الرأي العام السعودي والعربي.

خلفية واقعية لمسار التطبيع السعودي

الاتفاقيات السابقة والمبادرات العربية: منذ مبادرة السلام العربية عام 2002، أعلنت السعودية أن التطبيع مع إسرائيل مشروط بتحقيق الاستقلال الفلسطيني على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

اتفاقات أبراهام وما قبلها: بعد أن وقعت دول خليجية وعربية أخرى اتفاقات مع إسرائيل مثل الإمارات والبحرين والمغرب، كان “مسار التطبيع السعودي” يُعتبر الخطوة الكبيرة التالية في تسلسل التطبيع المؤسسي.

الحرب في غزة (ما بعد 7 أكتوبر 2023): هجوم حماس وتداعيات غزة أعاد تركيز الاهتمام على القضية الفلسطينية والعاملين الإنساني والسياسي. السعودية عادت لتُشدد على أن أي تطبيع لا يُرضي الشرط الفلسطيني (دولة مستقلة) سيكون مرفوضا.

الموقف الإسرائيلي

رسائل من إسرائيل: حسب مصادر عبرية، وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر نقل إلى السعودية أنه لا يمكن المضي قُدما في خطوات تطبيعية قبل “هزيمة كاملة” لحركة حماس، وأنه لا رغبة لدى تل أبيب بإشراك السلطة الفلسطينية في إدارة غزة بعد الحرب.

الرؤية الإسرائيلية لشروط ما بعد التطبيع: وجود حكومة إسرائيلية تُشكلها أحزاب يمينية متشددة يعزز من الموقف الذي يُصر على أن التطبيع لا يرفق بأي تنازل سياسي يعتد به بخصوص الضفة أو القدس، أو حق الفلسطينيين في دولة ذات سيادة كاملة.

السعودية بالموقف الرسمي والشعبي

شروط لا غنى عنها: السعودية تكرر أن التطبيع غير مقبول من دون أفق واضح لتحقيق دولة فلسطينية مستقلة، وإنهاء العدوان على المدنيين في غزة، واستعادة الحقوق الفلسطينية، بما يشمل القدس الشرقية.

الرفض الشعبي والاعتبارات الأخلاقية: المجتمع السعودي والعربي بشكل أوسع لا يزال يرفض أي خطوات تطبيعية مع الاحتلال في ظل استمرار القصف والمآسي في غزة. أي تقدم في هذا المسار يُراقب بإمعان، ويُحاسب على المعايير السياسية والإنسانية.

التطبيع السعودي

الضغوط الدولية والمناورات السياسية

الضغوط الأمريكية والدول الغربية: الولايات المتحدة تحاول دفع السعودية نحو علاقات تطبيعية مع إسرائيل، مع وعود بضمانات أمنية، تعاون اقتصادي، وتسهيلات طاقية ونووية. لكن كثيرا من هذه الضغوط تأتي مع مقاومة سعودية تستعين بالمصالح العليا والتوازن بين الداخل والخارج.

المناورة السعودية: يبدو أن السعودية تستخدم “مسار التطبيع السعودي” كأداة تفاوضية، لتأمين مزايا، لكن دون أن تخلص في الالتزام ما لم تُلبَّ الشروط الفلسطينية. اندلاع الحرب وما تبعها من أزمة إنسانية غير مسبوقة في غزة قد قلب الموازين، وجعل أي خطوة للتقارب مع الاحتلال تبدو كخيانة علنية للحقوق الفلسطينية. لذا، يسعى بن سلمان إلى إرضاء واشنطن بالمناورة السياسية، دون أن يتحمل كلفة مواجهة الرأي العام العربي والإسلامي.

المعوقات العملية 

غياب الثقة: بسبب السياسات الإسرائيلية القائمة التي ترى المقاومة كعدو يجب القضاء عليه بالكامل، تفقد الثقة السعودية في أن إسرائيل ستفي بشروطها السياسية.

الرأي العام والتأثير الإقليمي: التصريحات والسياسات تجاه غزة تُشكل عامل ضغط كبير على الحكومة السعودية، داخليا وعبر العالم الإسلامي والعربي.

التحولات الداخلية في إسرائيل: الحكومة اليمينية تُعطي الأولوية للأمن وسياسات صارمة تجاه الفلسطينيين، مما يقلل من المرونة السياسية في مسألة دولة فلسطينية أو مشاركة السلطة الفلسطينية.

أزمـة غزة الإنسانية: استمرار المجازر والتدمير المدني يُشكل عقبة أخلاقية وسياسية أمام أي خطوة تطبيعية، تحولها إلى مظهر من مظاهر التطبيع “مكسور الشرعية” و”الخيانة” أمام الجماهير.

السيناريوهات المحتملة لمسار التطبيع السعودي

الانتظار حتى هدوء الأوضاع: مسار التطبيع السعودي قد يبقى مجمدا حتى انتهاء العدوان أو حتى يظهر أفق واضح لإجراء سياسي يُرضي الشروط الفلسطينية.

تطبيع مشروط جزئي: ربما تظهر خطوات أقل رسمية، مثل تعاون أوسع على المستويين الأمني والاقتصادي، من دون إعلان تطبيع دبلوماسي كامل، كجسر نحو مخارج سياسية.

انفراج مفاجئ: إذا ما ظهرت ضمانات إسرائيلية أو أمريكية تثبت الالتزام برؤية حل الدولتين، فقد يُستأنف المسار بقوة.

ختاماً، إن “مسار التطبيع السعودي”” لم ينته، لكنه بلا شك مُعاد تشكيله كليا بعد حرب غزة وما تلاها. لم تعد التسريبات وحدها كافية لدفع المسار قدما، ولم يعد من الممكن تجاهل الضغوط الداخلية والخارجية والشروط التي وضعتها السعودية.

المصدر: مسقط 24 + صحف

→ السابق

مستشفيا الرنتيسي والعيون بغزة خارجا الخدمة نتيجة القصف

التالي ←

تمرين بحري مشترك لتعزيز الأمن البحري بالباطنة العُمانية

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة