في وقت تتسرب فيه أخبارعن التفاهمات الأمنية السورية مع إسرائيل، والتي جرى معظمها في أجواء سرية في العاصمة الأذربيجانية باكو، تشهد محافظة السويداء السورية تصعيدا خطيرا يعكس عمق التصدعات الداخلية في البلاد، وسط انتهاكات دامية ترتكبها القوات التابعة للسلطة المؤقتة بقيادة الرئيس أحمد الشرع وكذلك انتهاكات أقل من الطرف الآخر التابع لبعض القيادات الدرزية في السويداء.
ما يجري على الأرض لا يدعو للطمأنينة، بل يؤكد أن هذه التفاهمات الأمنية السورية مع إسرائيل ليست طريقا لحماية سوريا أو الحفاظ على وحدتها، بل تمثل بوابة للضغط الإسرائيلي المتزايد على دمشق، لتقديم المزيد من التنازلات التي ستفضي في نهاية المطاف إلى تقسيم البلاد.
التفاهمات الأمنية السورية مع إسرائيل: التدخل الإسرائيلي
حين دخلت السلطة السورية المؤقتة إلى السويداء بزعم فرض الأمن، كان الدروز على موعد مع حملة قمع دموي: اعتقالات، إذلال، وحتى إعدامات ميدانية موثقة، وسط صمت رسمي. هنا، جاء الرد الإسرائيلي: قصف لمواقع وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي في دمشق، تحت ذريعة “حماية الطائفة الدرزية”.
لكن الحقيقة الواضحة أن إسرائيل التي قالت في البداية أن هذه مسألة داخلية ولن تتدخل بها بالتزامن مع تصريحات أمريكية عن وحدة سوريا وسيادتها أي بعنى آخر إعطاء الضوء الأخضر للسلطة السورية للدخول إلى السويداء، استغلت ما حدث (وهو ماكانت إسرائيل تعرفه وخططت له منذ البداية) وبدأت بسلسلة من الغارات الجوية مستهدفة أماكن حساسة في سوريا لتفعيل أدوات الضغط السياسي عبر التفاهمات الأمنية السورية مع إسرائيل، من أجل إجبار السلطة على المضي قدماً في تنازلات جديدة بعد اللقاءات الأخيرة في باكو.
أحمد الشرع بين التفاهمات والعجز
يبدو أن الرئيس السوري أحمد الشرع اختار طريق الاستسلام لا السيادة. فبدلا من محاسبة المجرمين من أجهزته المؤقتة، سارع إلى إعادة تنشيط الاتصالات مع تل أبيب، في محاولة يائسة لامتصاص الغضب الإسرائيلي.
إلا أن ما يسمى بـالتفاهمات الأمنية السورية مع إسرائيل، التي روج لها باعتبارها ضمانة لاستقرار البلاد، ليست سوى غطاء سياسي لتدخلات إسرائيلية أوسع، ستؤدي إلى تفكيك ما تبقى من المركزية السورية.
إن تقديم التنازلات لإسرائيل لن يحمي سوريا، ولن يعيد لها سيادتها أو يوحد أراضيها، بل سيكون مقدمة لضغوط أعنف، وابتزاز متجدد يحقق أهداف إسرائيل في التقسيم والتفتيت.
غياب المحاسبة وخط التقسيم الناعم
ما حدث في السويداء ليس حدثاً عرضياً، بل هو جريمة موصوفة شاركت فيها تشكيلات أمنية وعسكرية تابعة للسلطة الحالية. تقارير محلية ودولية وثقت استخدام القوة المفرطة بحق المدنيين، ووقوع مجازر بحق أبناء الطائفة الدرزية. لكن الغريب هو غياب أي مساءلة، ما يعكس هشاشة القيادة الجديدة وعجزها حتى عن ضبط فصائلها وهو ماحدث في الساحل كذلك. هذا الفراغ الأمني والعدلي يسمح لإسرائيل بتصعيد ضغوطها وفرض مزيد من الشروط في إطار التفاهمات الأمنية السورية مع إسرائيل.
التقارير الغربية تكشف أن لقاءات باكو لم تكن فقط أمنية، بل شملت قضايا “ترتيب الوضع الداخلي السوري”، خاصة في الجنوب. وحين اشتعلت أحداث السويداء، كانت إسرائيل جاهزة بخطاب “الدفاع عن الدروز”، ما أتاح لها أول تدخل جوي مباشر ضد مؤسسات السلطة منذ شهور.
ويبدو أن هذا النمط من التدخل سيتكرر، مع كل إخفاق جديد لأحمد الشرع، ضمن آلية تنسيق غير معلن تحت سقف التفاهمات الأمنية السورية مع إسرائيل.
دعم للانقسام باسم السيادة
المبعوث الأمريكي توم باراك قدم نفسه كراع لوحدة سوريا، لكنه عملياً لعب دوراً في تسويق المشروع الإسرائيلي الجديد. فبينما كانت واشنطن تكرر الحديث عن “الوحدة والسيادة”، كانت طائرات إسرائيلية تضرب العمق السوري، ما يكشف أن التفاهمات الأمنية السورية مع إسرائيل تمت ضمن فهم أمريكي إسرائيلي مشترك: احتواء النظام عبر الضغط والتطبيع، لا تمكينه.
والأسوأ أن أحمد الشرع انساق خلف هذا الفخ، معتقدا أن بوسعه إرضاء إسرائيل بتنازلات محدودة، متغافلاً عن حقيقة أن أي تنازل هو تمهيد لتنازل أكبر، في مسار ينتهي بالتقسيم الكامل لسوريا.
ختاماً، لقد أظهرت أحداث السويداء والردود الإسرائيلية المتلاحقة، أن التفاهمات الأمنية السورية مع إسرائيل ليست سوى قيد جديد يفرض على سوريا لا أداة لحمايتها. وأن تقديم التنازلات لإسرائيل لن يؤدي إلى استعادة السيادة أو حفظ وحدة الأراضي، بل سيكون مجرد مرحلة في مشروع أكبر يستهدف تمزيق النسيج الوطني وتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ.
إن المسؤولية التاريخية تقتضي من السوريين أن يرفضوا هذه السياسات، وأن يطالبوا بمحاسبة وشفافية حقيقية لا مبايعة وتبعية مطلقة لسياسات تُخضع سيادة البلاد لتفاهمات عدو لا يخفي نواياه. التقسيم يبدأ بالسكوت عن الانتهاك ويستمر بالارتهان لتفاهمات لا تخدم إلا إسرائيل.
المصدر: مسقط 24
