منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يتواصل نزيف الدم من خلال استهداف الصحفيين الفلسطينيين بشكل متعمد وممنهج، حيث ارتفعت حصيلة الشهداء منهم إلى 247 صحفيا، بعد استشهاد المراسلة الفلسطينية إسلام عابد إثر قصف مباشر استهدف مدينة غزة. هذا الرقم المأساوي لا يمثل مجرد إحصائية، بل هو شهادة دامغة على حجم الخطر الذي يواجهه الإعلاميون في غزة بشكل يومي.
إن هذه الحصيلة الضخمة تجعل من العدوان الحالي أكثر الحروب دموية وفظاعة في تاريخ الصحافة عالميا، وتؤكد أن استهداف الصحفيين الفلسطينيين لم يعد فعلا عشوائيا، بل سياسة راسخة تهدف إلى إسكات الأصوات الحرة وإطفاء أي نافذة تنقل معاناة المدنيين إلى العالم.
استهداف الصحفيين الفلسطينيين: من شاهد إلى هدف
وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، لم يعد مقتل الصحفيين الفلسطينيين مجرد “أضرار جانبية” للحرب، بل أصبح استهداف الصحفيين الفلسطينيين سياسة منظمة ومتعمدة. الصحفيون يقتلون أثناء تغطية الميدان، وفي منازلهم، وحتى خلال البث المباشر، في مشهد غير مسبوق بتاريخ الصراعات. الكاميرا تحولت إلى تهمة، والميكروفون صار سلاحا يخشاه الاحتلال، بينما يتحول الصحفيون إلى شهداء محتملين في كل لحظة.
إن هذه الممارسات تكشف أن الاحتلال يسعى إلى محو الشاهد قبل أن يوثق الحقيقة، وإلى إسكات الصوت قبل أن يُسمع. وبذلك، تتحول غزة إلى أخطر ساحة عمل للصحفيين في العالم، حيث تتجاوز المخاطر حدود الميدان لتصل إلى منازلهم وعائلاتهم.
قناة “القدس” الفلسطينية نعت مراسلتها إسلام عابد، مؤكدة أنها الصحفية رقم 23 التي تفقدها القناة منذ بدء العدوان. رحيلها جاء ليؤكد من جديد أن الكلمة والصورة باتتا في مرمى الصواريخ الإسرائيلية. لم تكن تحمل سوى كاميرا وصوت الحق، لكنها قُتلت لأنها تمثل شاهدا خطيرا على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
استشهادها يذكر العالم بأن استهداف الصحفيين الفلسطينيين يهدف إلى كسر الإرادة الإعلامية الفلسطينية، إلا أن دماءهم تصبح رمزا لإصرار الصحافة على البقاء. قصة إسلام ليست فردية، بل هي امتداد لمسار طويل من التضحية، حيث يدفع الصحفي الفلسطيني ثمن رسالته بدمه، دون أن يتراجع عن دوره في الدفاع عن الحقيقة.
النقابة تجرم والدعم الغربي يشرعن
نقابة الصحفيين الفلسطينيين وصفت استهداف الصحفيين الفلسطينيين بأنه “جريمة حرب مكتملة الأركان” و“وصمة عار تلاحق قتلة الحقيقة”. النقابة أكدت أن دماء الشهداء ستظل منارة للأجيال، وأن القلم والكاميرا لن يتوقفا عن توثيق المأساة مهما كان حجم التضحيات. كما شددت على أن استمرار هذه الجرائم يهدد مهنة الصحافة في جوهرها، لأنه يحاول تحويل الصحفي إلى هدف عسكري مشروع.
النقابة لم تكتف بإصدار البيانات، بل كثفت جهودها في تدويل القضية، عبر رفع ملفات إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف والاتحاد الدولي للصحفيين، مطالبة بتحقيقات دولية ومحاسبة القادة الإسرائيليين. لكن الصمت الدولي وعدم تحرك المؤسسات الحقوقية الكبرى حتى الآن، يعكس عمق التواطؤ الذي يحمي الجناة ويمنع تحقيق العدالة.
البيانات الرسمية الفلسطينية حملت مسؤولية مباشرة للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في استمرار هذه الجرائم، عبر توفير السلاح والدعم السياسي والعسكري لإسرائيل. هذا الدعم لا يعني فقط التواطؤ، بل المشاركة في الجريمة، ويكشف ازدواجية المعايير الغربية التي تتحدث عن حماية الصحافة وحرية التعبير بينما تصمت أمام أكثر الانتهاكات فظاعة ضد الإعلاميين.
بل إن هذه الدول، التي تقدم نفسها كحامية لحقوق الإنسان، ساهمت في توفير الغطاء اللازم لإدامة الحرب، ما يجعلها شريكة في جريمة إبادة لا تستثني حتى الصحفيين. هذا التناقض الفاضح يضع الغرب أمام اختبار أخلاقي كبير، حيث تسقط شعارات الحرية حين يتعلق الأمر بفلسطين.
الحقيقة أقوى من الرصاص
رغم فداحة الخسائر، لم ينجح الاحتلال في تحقيق هدفه. فالتقارير المصورة وشهادات المراسلين الفلسطينيين كانت نافذة العالم على الجرائم في غزة، وفضحت سياسات الإبادة والتجويع. محاولات إسكات الصحافة لم تمنع الكلمة والصورة من التحول إلى سلاح أقوى من الرصاص، إذ أصبحت دماء الشهداء رمزا عالميا لمقاومة الصمت والتضليل. إن استهداف الصحفيين الفلسطينيين كشف مدى خوف الاحتلال من قوة الرواية الفلسطينية، فالصورة التي ينقلها المراسلون أضحت أكثر تأثيرا من أي سلاح، وأصبحت بمثابة ذاكرة جمعية تعاند النسيان، وتواجه محاولات الطمس بكل قوة.
ختاماً، إن استهداف الصحفيين الفلسطينيين لم يعد حدثا محليا أو شأنا فلسطينيا فحسب، بل قضية إنسانية عالمية. ارتفاع عدد الشهداء إلى 247 منذ بدء الحرب يوضح أن المعركة تتجاوز حدود الجغرافيا لتصل إلى مستوى الدفاع عن الذاكرة والوعي الإنساني. فاستشهاد إسلام عابد وزملائها يثبت أن الاحتلال يخشى الكلمة والصورة بقدر ما يخشى المقاومة المسلحة. المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل أيضا على الرواية والذاكرة، حيث يسعى الاحتلال لاحتكار الحقيقة، بينما يقاوم الصحفيون الفلسطينيون من أجل إبقاء صوت شعبهم حاضرا في الوعي العالمي. صمت المجتمع الدولي أمام هذه الجرائم الموثقة يهدد حرية الصحافة عالميا، ويجعل حماية الصحفيين في غزة أولوية أخلاقية وحقوقية لا يمكن التنازل عنها.
المصدر: مسقط 24
