منذ سنوات، يتكرر مشهد التوتر داخل منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) بين أعضاءها، لكن لا خلاف تكرر بحدة وشدة كما هو الحال مع الخلاف بين السعودية والإمارات. هذا الخلاف لم يعد تفصيلا فنيا في ملفات إنتاج النفط وحصص السوق، بل أصبح عنوانا لصراع أعمق على النفوذ الاقتصادي والسياسي، يعكس تباعدا في الرؤى والمصالح داخل أكثر تحالفات الطاقة نفوذا في العالم.
السعودية، باعتبارها زعيمة أوبك التقليدية، وجدت نفسها أمام تحدٍّ من أقرب الحلفاء السابقين: الإمارات، التي باتت تسعى علنا لموقع قيادي مستقل يعكس طموحاتها الاقتصادية والاستراتيجية المتسارعة.
الخلاف بين السعودية والإمارات داخل منظمة أوبك
بدأ الخلاف بين السعودية والإمارات يأخذ طابعا علنيا في يوليو 2021 عندما انسحبت الإمارات من اتفاق مقترح لتمديد خفض الإنتاج بسبب اعتراضها على حصتها الإنتاجية التي اعتبرتها مجحفة. وقد جاء هذا الخلاف ليؤكد أن أبوظبي لم تعد تقبل بلعب دور التابع في التحالفات النفطية، بل تسعى لفرض موقعها باعتبارها دولة ذات طاقة إنتاجية متقدمة وبنية تحتية نفطية توازي كبريات الدول.
هذا الخلاف لم يكن الأول، فقد سبقته توترات مشابهة في اجتماعات سابقة، حيث طالبت الإمارات برفع خط إنتاجها الأساسي من 3.17 ملايين برميل يوميا إلى 3.8 ملايين، معتبرة أن النسبة الحالية لا تعكس طاقتها الإنتاجية الكاملة. السعودية، من جهتها، أبدت تحفظا على هذا المطلب، مشيرة إلى أن مثل هذه التعديلات قد تقوض استقرار أسعار الطاقة.
ورغم أن اتفاقا مؤقتا تم التوصل إليه لاحقا، إلا أن الشروخ لم تلتئم. تتكرر التوترات في اجتماعات لاحقة لمنظمة أوبك بلس، ويلاحظ تزايد التصريحات النارية من الطرفين. وبحسب تقارير من وكالات مثل بلومبيرغ و”رويترز” في مايو 2025، فإن التوترات الأخيرة حول خطة خفض الإنتاج المستمر حتى نهاية 2025 كشفت استمرار التباين، مع معارضة إماراتية غير معلنة لبعض القرارات السعودية، خصوصًا تلك التي تؤثر على استثمارات أبوظبي في التوسع الإنتاجي.
أجندتان متعارضتان: النفط بين الرؤية والواقع
السعودية والإمارات لا تختلفان فقط في التفاصيل الفنية، بل في الرؤية العامة لدور النفط في مستقبل الاقتصاد. السعودية بحاجة إلى أسعار مرتفعة لضمان تمويل مشاريعها الطموحة ضمن “رؤية 2030” مثل مدينة “نيوم”، في حين أن الإمارات باتت ترى في كبح الإنتاج تقييدا لطموحاتها الاستثمارية في قطاع النفط والغاز.
هذا التباين يظهر في السياسات الفعلية: بينما تضغط الرياض من أجل تقليص المعروض ورفع الأسعار، تسعى أبوظبي إلى زيادة صادراتها النفطية وتوسيع حصتها السوقية، مستفيدة من قدرتها التقنية على الضخ السريع وتنوع زبائنها.
ليس سرا أن الخلاف بين السعودية والإمارات لا يقتصر على منظمة أوبك، بل يعكس تصاعد المنافسة بينهما على زعامة الخليج والمنطقة. من اليمن إلى السودان، ومن السياسات النفطية إلى الاستثمارات في إفريقيا وآسيا، تتقاطع مصالح البلدين في مشهد غالبا ما يميل إلى التنافس لا التنسيق.
في هذا السياق، تحاول أبوظبي أن تفرض نفسها كقوة مستقلة لها شبكة مصالح وعلاقات تمتد إلى الصين، والغرب، والهند، وروسيا، متجاوزة بذلك مظلة التأثير السعودي التقليدي. وعلى الرغم من التقارب الشخصي الظاهري بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الإمارات محمد بن زايد، فإن الواقع الاقتصادي يفرض مسارات متباينة تصطدم حتى في تفاصيل الحصص النفطية.
تأثيرات مباشرة على أسواق الطاقة
عدم الاتفاق بين الرياض وأبوظبي يعمّق أزمة الثقة داخل أوبك بلس، وقد يؤدي إلى فقدان المنظمة قدرتها التاريخية على ضبط السوق. وفي ظل التوترات الجيوسياسية، فإن عجز أكبر عضوين في الخليج عن تنسيق موقف موحد قد يفتح الباب أمام صعود لاعبين مستقلين كإيران وروسيا داخل المنظمة، أو يدفع الدول الغربية إلى البحث عن تحالفات طاقوية بديلة.
وقد أفادت تقارير حديثة عن تخوف الأسواق من أن استمرار الخلاف بين السعودية والإمارات قد يؤدي إلى “حرب حصص” تذكرنا بما حدث في مارس 2020 حين انهار التحالف مؤقتا، مما تسبب بهبوط دراماتيكي في الأسعار.
في ضوء التطورات المتسارعة، يبدو أن الخلاف بين السعودية والإمارات لن يحل عبر جلسة تفاوض طارئة أو اتفاق تقني مؤقت. بل إن حل هذا الخلاف يتطلب مراجعة شاملة لرؤية البلدين داخل منظمة أوبك وخارجها، والاعتراف بأن المشهد النفطي الجديد يتطلب مقاربات جديدة.
ما لم تعِ القيادتان أن التعاون الاستراتيجي أهم من المكاسب التكتيكية، فإن خطر تدهور العلاقة مرشح للتصاعد، وسيكون لذلك تبعات جسيمة على استقرار الطاقة في العالم، وعلى مكانة البلدين في النظام الإقليمي والدولي. المطلوب ليس فقط تنسيق حول الأرقام، بل تفاهم سياسي طويل الأمد يُعيد بناء الثقة ويوحّد الرؤية، إن كانت القيادة هدفا مشتركا لا ساحة صراع.
ختاماً، إن الخلاف بين السعودية والإمارات داخل منظمة أوبك يعكس تحديات كبيرة تواجه المنظمة في الحفاظ على تماسكها وتأثيرها في السوق العالمية. ولضمان استقرار أسعار الطاقة، يجب على الدول الأعضاء تجاوز الخلافات الثنائية والتركيز على المصالح المشتركة. فالتعاون والتوافق بين السعودية والإمارات ليسا خيارا، بل ضرورة لضمان مستقبل مستقر لأسواق النفط العالمية.
المصدر: مسقط 24
