أثارت تسريبات حديثة لرسائل بريد إلكتروني من ملفات جيفري إبيستن نشرتها وزارة العدل الأمريكية موجة من الجدل حول شخصيات إماراتية بارزة موجودة ضمن هذه الملفات.
وتكشف السياسة الإماراتية بالتعاطي مع هذا الأمر ليس عن تضامن عابر بل عن جهد سياسي وإعلامي منسق لصرف الأنظار عن الحقيقة وقمع المساءلة.
وكشف ظهور اسمي سلطان أحمد بن سليم وهند العويس في مراسلات ضمن ملفات جيفري إبستين عن علاقات طويلة الأمد بينهم وبين جيفري إبيستن مما أثار تساؤلات أخلاقية وسياسية خطيرة، إلا أنها قوبلت داخل الإمارات لا بالشفافية بل بالتبرير والتستر.
بن سليم في ملفات جيفري إبيستن
بن سليم، الشخصية المحورية في التجارة العالمية بصفته رئيس شركة موانئ دبي العالمية، ليس مسؤولاً هامشياً بأي حال من الأحوال ففي ظل قيادته منذ عام 2007 أصبحت الشركة تدير ما يقارب عشر تجارة الحاويات العالمية، بينما أصبح هو نفسه حاضراً باستمرار في المحافل الدولية والتجمعات النخبوية إلى جانب أفراد من العائلة الحاكمة.
وأبرز تحقيق أجرته وكالة بلومبيرغ أن بن سليم حافظ على اتصال وثيق مع إبستين لأكثر من عقد، حتى بعد إدانة إبستين عام 2008 بتهمة الاتجار الجنسي بالأطفال، حيث تظهر رسائل بريد إلكتروني نشرتها وزارة العدل عن آلاف المراسلات بين الرجلين من عام ٢٠٠٧ وحتى أسابيع قبل وفاة إبستين عام ٢٠١٩، وتناولت مواضيع الأعمال والسياسة والدين وتضمنت أحيانا لغة جنسية صريحة تتضمن إشارات مهينة للنساء.
ووفقا للوكالة التي اطلعت على ملفات جيفري إبيستن، فقد تجاوزت العلاقة مجرد التواصل العابر لتشمل المراسلات بينهما محاولات لترتيب صفقات تجارية وزيارات إلى جزيرة بن سليم الخاصة ودعم مشاريع مرتبطة بإمبراطوريته التجارية التي تمتد لتشمل الموانئ والعقارات والفنادق. كما لعب إبستين دور الوسيط حيث ربط بن سليم بشخصيات ثرية ونافذة في عالم المال والسياسة وحاول ترتيب لقاءات مع شخصيات بارزة ضمن شبكته العالمية.
وأكد التقرير أن هذه العلاقات ظلت مخفية إلى حد كبير عن الرأي العام حتى تم الكشف عن ملايين الصفحات من ملفات جيفري إبيستن وقد تحققت بلومبيرغ من صحة رسائل البريد الإلكتروني من خلال عمليات تدقيق متعددة، في حين لم يدل بن سليم أو شركة موانئ دبي العالمية بأي تعليق علني.
وعلى الرغم من عدم وجود أدلة تدين بن سليم في أي نشاط إجرامي، إلا أن استمرار علاقته الوثيقة مع مدان بجرائم جنسية أثار تساؤلات عميقة حول الحكمة والأخلاق والمخاطر التي تهدد السمعة. وبالفعل بعد أيام من تصاعد الجدل تم استبدال بن سليم من منصبه كرئيس لشركة موانئ دبي العالمية، إلا أنه مع ذلك لم يفتح أي نقاش عام جاد حول سبب استمرار هذه العلاقة لفترة طويلة بعد إدانة إبستين، بل على العكس سارع المقربون من المؤسسة الإماراتية إلى الدفاع عنه، حيث وصفه أكاديميون بصورة بطولية مؤطرين الحادثة على أنها نهاية كريمة لمسيرة مهنية ناجحة بدلاً من كونها فضيحة تستدعي التدقيق، بينما وصف مسؤولون أمنيون كبار الأمر بأنه عثرة بسيطة سبق أن عالجتها القيادة. هذا الرد أقر ضمنيا بوجود مشكلة لكن دون مواجهة جوهرها أو خطورتها.
هند العويس
وبشكل مماثل كانت هند العويس التي ورد اسمها مئات المرات في الرسائل الإلكترونية ضمن ملفات جيفري إبيستن بما في ذلك مراسلات من عام 2012 أي بعد إدانته بفترة طويلة، استخدمت فيها لغة حميمة ودعته للقاء شقيقتها.
ورغم عدم وجود أدلة علنية تربطها بسلوك إجرامي، إلا أن حجم المراسلات ونبرتها أثارا تساؤلات حول المعايير المتوقعة من شخص يُقدم نفسه دوليا كمدافع عن حقوق الإنسان ويمثل الدولة في الأمم المتحدة.
وبشكل مماثل لابن سليم وبدلا من بدء تحقيق مستقل أو إصدار توضيح رسمي، سارع المؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي للدفاع عنها، مصورين المراسلات على أنها مهنية بحتة ومتجاهلين الانتقادات باعتبارها تقارير انتقائية أو من فعل المتصيدين الإلكترونيين.
والجدير بالذكر أن استراتيجية الدفاع لم تنف وجود الرسائل أو الاجتماعات التي تناولتها بل سعت إلى تطبيعها، مصورة التواصل المطول مع مدان بجريمة جنسية على أنه تفاعل تجاري روتيني. وبذلك، اختزلت القضية إلى قضية علاقات عامة بدلا من التعامل معها كفضيحة سياسية وأخلاقية تتطلب الشفافية والمساءلة.
وبالنظر إلى القضيتين معا يتضح نمط ثابت في التعامل معهما، فعندما تكشف علاقات محرجة لمسؤولين مقربين في ملفات جيفري إبيستن تغيب آليات المساءلة والمحاسبة وتموت الشفافية وتسارع مجموعة كبيرة من الأصوات الموالية إلى حماية المتورطين، حيث حل الثناء على الإنجازات والنداءات للولاء واتهامات حملات التشويه محل الشفافية والمساءلة: لماذا استمرت هذه العلاقات وما هي طبيعتها الحقيقية وهل هم متورطون؟
ختاماً، المشكلة أكبر ليست مجرد ورود أسماء ذات صفة رسمية في مراسلات مسربة ضمن ملفات جيفري إبيستن، بل تكمن المشكلة في كيفية الإدارة بحيث تعطى الأولوية للحفاظ على الصورة على حساب مواجهة الحقائق بحيث تثبت طريقة التعاطي مع هذا الأمر أن ما انكشف ليس مجرد حادثة سوء تقدير مشكوك فيها بل أزمة أعمق في المعايير والشفافية والمساءلة، أزمة يحل فيها التستر محل المواجهة، وتأتي السمعة فيها على حساب المصداقية.
المصدر: مسقط 24 + متابعات
