في خطوة جديدة أثارت موجة استنكار واسعة في الأوساط الإسلامية والعربية وضمن مسار التطبيع السعودي، جدد محمد عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ووزير العدل السعودي السابق، دعمه العلني لمسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، من خلال زيارته المثيرة للجدل إلى جامعة هاشيفا الدينية، الواقعة في إحدى المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة.
هذه الخطوة ليست معزولة، بل تأتي في سياق متكامل من التحركات التي يعكسها مسار التطبيع السعودي، سواء على الصعيد السياسي أو الديني أو الرمزي، والذي بات يتجه بسرعة نحو شرعنة الاحتلال وتبييض وجهه، في تجاهل صارخ للحقوق الفلسطينية والجرائم اليومية التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني.
العيسى يتصدر مسار التطبيع السعودي
زيارة محمد العيسى إلى جامعة “هاشيفا” لم تكن مجرد فعالية بروتوكولية، بل وُصفت من قبل الإعلام الإسرائيلي نفسه بأنها “زيارة رمزية تكشف عمق التقارب الديني والسياسي بين السعودية وإسرائيل”.
جامعة “هاشيفا” تُعتبر من أبرز المؤسسات الدينية اليهودية التي يتخرج منها العديد من ضباط وجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهي مؤسسة تقوم على الدمج بين التعليم الديني اليهودي والتدريب العسكري، ما يجعل زيارتها من قبل شخصية إسلامية رفيعة مثل العيسى أمرا صادما.
صحيفة Times of Israel وصفت العيسى بـ”إمام الإسرائيليين”، وهو توصيف ليس عبثيا، بل يعكس الطريقة التي يُقدم بها الرجل داخل الأوساط الصهيونية، كرمز لمسار التطبيع السعودي على المستوى الديني، في ظل تسارع وتيرة اللقاءات والفعاليات المشتركة التي تنظمها رابطة العالم الإسلامي برئاسته.
التطبيع الديني كمدخل للتقارب
زيارة “هاشيفا” ليست الحدث الأول في سجل العيسى، فقد سبق أن ترأس في يناير 2020 وفدا من علماء دين مسلمين لزيارة متحف “أوشفيتز” لضحايا المحرقة النازية في بولندا، وهي الزيارة التي حظيت بتغطية إسرائيلية واسعة، ووصفت بأنها “نقطة تحول في العلاقات الإسلامية اليهودية”.
وبينما لم تُظهر السعودية أي مواقف واضحة تجاه المجازر الإسرائيلية المتواصلة في غزة والضفة، اختارت مؤسسة رسمية مثل رابطة العالم الإسلامي أن تمنح الإسرائيليين شرعية رمزية من خلال تأييدهم العلني في قضايا تاريخية، متجاهلة المأساة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون.
هذه الممارسات تدخل بوضوح ضمن مسار التطبيع السعودي الذي لم يعد يُخفي طبيعته أو أهدافه، بل بدأ يتحول إلى سياسة معلنة وذات طابع ناعم يتسلل من خلال الدين والثقافة.
السعودية وإسرائيل: تسارع الخطوات وتبادل الرسائل
في الأشهر الأخيرة، تزايدت الإشارات العلنية لتقارب غير مسبوق بين السعودية وإسرائيل. فوفقا لما نشرته صحيفة Haaretz في مايو 2025، فإن وفدا اقتصاديا سعوديا زار تل أبيب تحت غطاء “مؤتمر إقليمي للتنمية”، بالتزامن مع تقارير عن حوار أمني متقدم بين الجانبين برعاية أمريكية.
أما على الصعيد الإعلامي، فبدأت قنوات سعودية كبرى ببث تقارير تُسلط الضوء على “التجربة الديمقراطية” في إسرائيل، وتدعو إلى “الاستفادة من النموذج الإسرائيلي في الابتكار”، وهو أمر لم يكن ليمر دون وجود إرادة سياسية عليا تشجع على الترويج لهذا الخطاب.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الخطوات تتزامن مع توسع مشاركة الوفود السعودية في فعاليات دولية تشارك فيها إسرائيل، بما في ذلك مؤتمرات الأديان والحوارات الحضارية، وكلها تأتي ضمن مسار التطبيع السعودي في أذهان الرأي العام، عبر الرموز والمؤسسات والمواقف الناعمة.
ولم يكتفِ الاحتلال بذلك، بل سعى لترسيخ هذا التقارب بصور رمزية. فمنذ فترة قريبة، نصبت بلدية تل أبيب لوحة جدارية ضخمة في أحد ميادينها تُظهر عددا من القادة العرب ويتوسطهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في إشارة بصرية إلى “الزعيم العربي المنتظر للسلام مع إسرائيل”، كما وصفته وسائل الإعلام العبرية. وقد أثارت الصورة جدلا واسعا، كونها لم تكن مجرد عملا فنيا بل رسالة سياسية معلنة.
في السياق ذاته، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي بتاريخ 26 يونيو 2025، بأن “التطبيع مع السعودية لم يعد احتمالا، بل مسألة وقت، ومحمد بن سلمان يعرف ذلك جيدا… لقد قدم خطوات شجاعة في هذا الاتجاه”. هذا التصريح، الصادر عن رأس الهرم السياسي الإسرائيلي، يعكس قناعة تل أبيب بأن السعودية باتت أقرب من أي وقت مضى إلى تطبيع رسمي، حتى وإن بقي حتى الآن في طور “التهيئة النفسية والإعلامية والدينية”.
هذه الرموز من زيارات إلى تصريحات وصور كلها تصب في قناة واحدة: ترسيخ مسار التطبيع السعودي في وعي الشعوب، عبر إقناعها بأن هذا المسار لم يعد خيارا بل واقعا لا مفر منه.
تجاهل تام للواقع الفلسطيني
ما يُثير القلق أكثر من الزيارة بحد ذاتها، هو توقيتها: تأتي في وقت تُصعّد فيه إسرائيل من هجماتها على غزة، وتواصل عمليات الإعدام الميداني والاقتحامات في الضفة، وتُمارس سياسات التجويع والقتل ضد الفلسطينيين في المخيمات.
ومع ذلك، لم يصدر عن محمد العيسى أو رابطة العالم الإسلامي أي إدانة واضحة لهذه الجرائم. بل كانت الرسالة الوحيدة الموجهة من زيارته إلى “هاشيفا” هي أن السعودية أو على الأقل جناحا مهما فيها بات مستعدا لغضّ الطرف عن القتل والاستيطان، مقابل تسويق “التعايش الديني” و”السلام الإبراهيمي”.
هذا الصمت المريب، بل الدعم الضمني، لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لـ مسار التطبيع السعودي، الذي أصبح أكثر جهرا ووضوحا، ولم يعد مقتصرا على لقاءات خلف الأبواب المغلقة.
ختاماً، زيارة محمد العيسى إلى جامعة “هاشيفا” الإسرائيلية تمثل فصلا جديدا في مسار التطبيع السعودي، الذي بات يتخذ طابعا دينيا وثقافيا يتجاوز حدود السياسة الرسمية. هذه الزيارة، التي حظيت باحتفاء إسرائيلي واسع، ليست إلا تجسيدا لرغبة فئات نافذة في السعودية بفرض نموذج من “التقارب الروحي” مع إسرائيل، على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
في الوقت الذي تتعرض فيه غزة لأبشع أنواع القتل والحصار والتجويع، يختار ممثلو المؤسسات الدينية الرسمية في السعودية أن يضعوا أيديهم في يد الجلاد، متجاهلين المظلوم. وبينما يروج لـ”التسامح” و”الحوار”، يتم تغييب صوت الضحايا، وتبييض وجه الاحتلال، وتوسيع فجوة الانتماء مع الشعوب العربية التي لا تزال ترى في فلسطين بوصلة أخلاقية لا تقبل المساومة.
المصدر: مسقط 24
