ضمن سلسلة من المواقف المتكررة التي تمثل جوهر ما يُعرف اليوم إعلاميا وسياسيا بـ خطاب التطبيع الإماراتي، والذي يتمثل في تبرئة الاحتلال وتشويه صورة المقاومة وتقديم خطاب ناعم يُجمل الوجه الدموي للمجازر، خرج عبد الخالق عبد الله، المستشار السياسي السابق لولي عهد أبوظبي بتصريحات فاجأت كثيرين، حيث حمل حركة حماس مسؤولية الكارثة الراهنة، مدعيا أن “رقاب حماس مثقلة بدماء أطفال غزة”.
ويأتي هذا الخطاب في الوقت الذي تتصاعد فيه آلة الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة، وتسجل المجازر أرقاما مفزعة في أعداد الشهداء من النساء والأطفال، ناهيك عن قطع الإمدادات وسياسة التجويع المتعمدة من قبل الاحتلال.
خطاب التطبيع الإماراتي يعكس انحيازا منهجيا ضد المقاومة
تصريحات عبد الله أثارت عاصفة من ردود الفعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ رأى كثير من النشطاء والمحللين أن ما صدر عنه لا يمكن فصله عن السياق العام لـ خطاب التطبيع الإماراتي، الذي بات يكرر نفسه منذ توقيع اتفاقيات أبراهام.
يلاحظ أن هذا الخطاب يتجاهل عمدا فظاعة ما يجري من إبادة جماعية ضد سكان غزة، ليصب جام غضبه على حماس، وكأنها هي من تقصف المدارس والمستشفيات والمخابز والملاجئ.
هذا الانحياز لم يكن عابرا، بل يعكس توجها أوسع يسعى لتقديم الاحتلال في صورة الشريك المقبول، بينما تجرّم مقاومة مشروعة تعترف بها القوانين الدولية والإنسانية. وهو ما دفع أحد المغردين للقول: “أنتم تهاجمون من يدافع عن الأرض، وتصمتون عن من يهدم البيوت على رؤوس ساكنيها”.
عندما يكون الصمت جريمة والتبرير خيانة
يتجاهل خطاب التطبيع الإماراتي حقيقة أن الكارثة الإنسانية في غزة لا يمكن اختزالها في خلاف سياسي مع فصيل فلسطيني. فالحصار المفروض منذ أكثر من 17 عاما، والهجمات المستمرة منذ ثمانية أشهر، والدمار الذي طال كل شيء في القطاع، ليست نتيجة قرارات اتخذتها حماس، بل نتيجة آلة عسكرية إسرائيلية مدعومة بصمت دولي وعربي مريب.
إن تحميل المسؤولية للمقاومة هو انقلاب على القيم الأخلاقية، وتزييف للحقائق، وتبرئة ليد الاحتلال الغارقة في الدم. بل إن ترديد مثل هذه الاتهامات في هذا التوقيت الحساس، يعد تعزيزا لرواية العدو، وتطبيعا نفسيا مع جرائمه، ما يجعل من خطاب التطبيع الإماراتي غطاء ناعما لجرائم وحشية تُرتكب في وضح النهار.
الهجوم على حماس نموذج واضح لخطاب التطبيع
ما يلفت الانتباه في هذا الخطاب هو الإصرار على مهاجمة حماس باعتبارها “سبب النكبة”، متجاهلين أن من يقتل الأطفال ويهدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها هي طائرات وصواريخ الاحتلال.
إن خطاب التطبيع الإماراتي حين يصر على شيطنة المقاومة، لا يقدم فقط خدمة مجانية للمحتل، بل يشرعن ضمنيا التوسع الاستيطاني، ويؤسس لخطاب عربي جديد يسعى لإعادة تعريف العدو والصديق.
وقد رد بعض المغردين على تصريحات عبد الله بالقول: “في الوقت الذي تصمد فيه غزة، يطل علينا من فنادق دبي من يلقي المحاضرات الأخلاقية عن المسؤولية والدماء، وهو لم يزر مخيما، ولم يسمع صراخ الأمهات تحت الركام”.
تسويق الاحتلال والانعكاسات السياسية
هذا النوع من الخطابات لم يكن جديدا على الساحة السياسية الخليجية، لكنه اليوم يُعاد تقديمه بأسلوب أكثر تنظيما. حيث بدأ خطاب التطبيع الإماراتي يأخذ منحى مؤسساتيا، عبر مقالات، تغريدات، وحتى تقارير صحفية مدفوعة في وسائل إعلام عربية تتبنى وجهة نظر الاحتلال.
الهدف من ذلك واضح: شيطنة المقاومة، وتفكيك الالتفاف الشعبي العربي حول القضية الفلسطينية، وتقديم الاحتلال كشريك “مسؤول”، في مقابل تصوير المقاومة كحالة فوضوية أو مغامرة غير محسوبة.
لكن هذا الخطاب يلقى مقاومة قوية على مستوى الشعوب التي ما تزال ترى في حماس رمزا للصمود، وفي غزة جدار كرامة في وجه التطبيع والتواطؤ.
ورغم محاولات تطبيع العلاقات مع الاحتلال، إلا أن خطاب التطبيع الإماراتي يقابل بصد واسع على مستوى الرأي العام العربي، بل حتى داخل الإمارات نفسها، إذ يرفض كثير من المواطنين أن يُسجل التاريخ عليهم صمتا أو تواطؤا في لحظة مفصلية.
هذا الخطاب قد يرضي تحالفات دولية أو مصالح آنية، لكنه يراكم أزمة شرعية أخلاقية، ويزيد من الهوة بين الأنظمة وشعوبها، ويعيد إنتاج خطاب استعلائي بعيد عن نبض الشارع.
لقد أثبتت التجربة أن الشعوب لا تنسى، وأن ذاكرة الأمة تحفظ مواقف الصمت كما تحفظ مواقف البطولة، وأن اللحظة التي تقف فيها غزة تحت القصف هي امتحان أخلاقي لا يمكن تجاوزه بتغريدة أو تبرير.
ختاماً، يبدو واضحا أن خطاب التطبيع الإماراتي قد تجاوز مرحلة التمهيد، ودخل طور المجاهرة بتبرئة الاحتلال وإدانة المقاومة، متماهيا مع روايات العدو، وصامتا عن الإبادة الجماعية الجارية. لكن هذا الخطاب، مهما بلغ من الترويج والتلميع، سيبقى مرفوضا شعبيا، وسيسجل التاريخ أن من صمت عن القتل، أو هاجم الضحية، إنما انتمى لمعسكر الجريمة لا معسكر العدالة.
وفي مقابل كل تغريدة تهاجم حماس، هناك آلاف الأصوات التي تهتف لغزة وتؤمن أن المقاومة، مهما اختلفت وجهات النظر السياسية، تبقى الرد الوحيد الممكن في وجه الاحتلال، بينما يبقى التطبيع وصمة، والخطاب المرافق له خيانة للتاريخ والضمير.
المصدر: مسقط 24
