تتكشف يوماً بعد يوم مؤشرات قوية على وجود تحركات منسقة بين الكيان الصهيوني وبعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الامارات، لفتح مسارات مخصصة لما يُسمّى بـ الهجرة الطوعية لسكان قطاع غزة، بعد عامين من حرب مدمّرة خلّفت القطاع شبه خالٍ من مقومات الحياة.
ورغم محاولة هذه الأطراف منح الخطوة طابعاً “إنساني”، إلا أن الوقائع المتسارعة من ترتيبات السفر الغامضة إلى الصمت السياسي المطبق، تشير إلى مسار تهجيري منظم يتعارض بشكل واضح مع القانون الدولي.
وفي هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية أن وسيطاً يعمل من دبي ويمتلك مكاتب في جنوب إفريقيا طلب عروضاً لرحلات طيران عارض “بأسرع وقت ممكن”، بهدف نقل فلسطينيين من غزة ضمن ما يُروَّج له كمبادرات لـ الهجرة الطوعية.
أثار هذا التطور كثيراً من علامات الاستفهام لدى منظمات حقوقية وجهات أمنية، خصوصاً أنه جاء بعد وصول 153 فلسطينياً إلى جوهانسبرغ الشهر الماضي على متن طائرة مستأجرة، في رحلة تحيط بها أسئلة لم تجد إجابات واضحة حتى الآن.
اللافت في القضية لا يقتصر على هوية الوسيط أو توقيت تحركه، بل يتعلق بالسياق الأوسع الذي يجري فيه هذا النشاط، في وقت تواصل فيه إسرائيل حربها المدمرة للعام الثاني على التوالي، ما أدى إلى انهيار شبه كامل للبنية السكنية والخدمات الأساسية في قطاع غزة. ويأتي ذلك في ظل غياب أي ضمانات لحق النازحين في العودة، مقابل تصاعد المساعي الإسرائيلية المعلنة لدفع الفلسطينيين إلى الخروج طوعاً، وهو ما يمنح هذه التحركات بعداً أكثر خطورة وإثارة للقلق.
تنسيق اماراتي اسرائيلي اكبر من التطبيع
تشكل التعاون الاماراتي الاسرائيلي، منذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، في صور متعددة شملت مجالات استخبارية واقتصادية، إضافة إلى نشاط منسّق داخل دوائر الضغط في أوروبا والولايات المتحدة، غير أنّ التطور الأبرز اليوم، وفق مصادر دبلوماسية وإعلامية، هو انتقال هذا التعاون إلى مستوى يتعلق مباشرة بملف غزة.
فإسرائيل لم تُخفِ في أي وقت أن الهجرة الطوعية تمثل، بالنسبة لها، هدفاً إستراتيجياً لمرحلة ما بعد الحرب. وفي المقابل، لا تبدو الإمارات في وارد معارضة هذا التوجه، بل تمضي في خطوات عملية تسهّل المرحلة الأولى من خروج السكان، ولا سيما أولئك الذين يمتلكون القدرة على السفر.
وتشير الوقائع إلى أن أبوظبي تضطلع بدور محوري في صياغة واقع جديد يمهّد لحركة خروج جماعية من القطاع، من خلال فتح مسارات سفر لا تخضع لرقابة فلسطينية أو دولية، ودعم شبكات وساطة خاصة تعمل على استقطاب الفلسطينيين وتقديم العملية في إطار “فرص استثمارية ووظيفية” أو “مساعدات إنسانية”، بدلاً من تسميتها بما هي عليه: مسار تهجيري منظم.
جنوب إفريقيا تكشف المؤامرة
شكّلت جنوب إفريقيا، التي تُعرف تاريخيًا بمواقفها المناهضة لنظام الفصل العنصري، مفاجأة سياسية لافتة حين قررت بشكل عاجل إلغاء إعفاء التأشيرة للفلسطينيين. حيث افادت صحيفة IOL بأن الخطوة جاءت عقب كشف ترتيبات متعلقة بـ الهجرة الطوعية مرتبطة بجهات اسرائيلية.
ويُنظر إلى هذا الإلغاء باعتباره رسالة سياسية واضحة مفادها أن هناك شبكات تحاول استغلال مسارات السفر لفتح بوابة أمام خروج جماعي للفلسطينيين، وهو ما تخشى جنوب إفريقيا أن تُستخدم أراضيها فيه دون علم أو رقابة. فالسماح باستقبال غير منضبط كان سيحوّل البلاد، التي تحظى بسمعة داعمة للقضية الفلسطينية، إلى محطة غير مباشرة في مشروع تهجير يستند إلى التعاطف الدولي.
وبالنسبة لحكومة بريتوريا، التي تتصدر حالياً التحركات القانونية ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، فإن أي تهاون في ملف حركة السفر كان سيضرب مصداقيتها الأخلاقية والسياسية. لذلك جاء القرار سريعًا وحاسمًا، بهدف إغلاق الطريق أمام أي ترتيبات خارجية قد تُستغل لتسويق التهجير تحت غطاء “الهجرة الطوعية”.
الهجرة الطوعية – نكبة جديدة برعاية اماراتية
يُروّج الاحتلال الإسرائيلي لهذا المخطط باعتباره خيارًا إنسانيًا أمام الفلسطينيين الذين دمّرت الحرب بيوتهم، لكن جوهره لا يختلف كثيرًا عن إعادة إنتاج سيناريو النكبة بلغة جديدة وأدوات حديثة.
فعندما يُترك سكان غزة بلا مأوى أو بنى تحتية أو مصادر رزق، وتُغلق في وجوههم كل المنافذ عدا “بوابة السفر”، فإن ما يُوصف بـ“الطوعي” يتحوّل عمليًا إلى خيار مفروض بقوة الحاجة والكارثة الإنسانية.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الامارات، سواء من خلال التنسيق السياسي أو التمويل أو توفير التسهيلات اللوجستية، كعامل أساسي في خلق البيئة التي تدفع الفلسطيني إلى مغادرة أرضه. فالقضية لا تتعلق بمساعدات أو مبادرات إنسانية فحسب، بل بإنشاء مسارات سفر تُستغل كأداة سياسية لإفراغ غزة من جزء من سكانها وإعادة رسم المشهد الديمغرافي تحت غطاء “الخيار الطوعي”.
ما الدوافع وراء مشاركة الامارات؟
الانسجام مع منظومة التحالفات الأمنية الجديدة في المنطقة التي تقودها الولايات المتحدة والعدو الصهيوني، في إطار مسعى لإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي وتحديد مراكز الثقل السياسي والأمني.
تقديم رسائل طمأنة لتل أبيب بأن مسار التطبيع لم يعد محصورًا في التعاون الاقتصادي والاستثماري، بل بات يمتد إلى ملفات إستراتيجية حسّاسة تمس جوهر الصراع في المنطقة.
السعي للظهور كقوة إقليمية وازنة قادرة على إدارة الأزمات العربية والتأثير في مساراتها، من السودان إلى اليمن وليبيا، وصولاً اليوم إلى ملف غزة.
استغلال مأساة غزة لتعزيز الحضور السياسي داخل القارة الإفريقية عبر بوابة ترتيبات الهجرة وعمليات النقل الجوي، بما يمنح نفوذًا إضافيًا في فضاء جيوسياسي متزايد الأهمية.
لكن هذه المقاربة قد ترتدّ على الإمارات سياسيًا، إذ تضعها في موقع الطرف الذي يسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في عملية قد تُصنَّف ضمن جرائم التهجير القسري وفق اتفاقيات جنيف.
مصدر: مسقط برس + الجزيرة نت
