أثار توقيف أبو الحسن السليماني، أحد أبرز علماء التيار السلفي في اليمن، جدلا واسعا في الأوساط الدينية والسياسية بعد نقله إلى سجن الحائر في الرياض، إثر اتهامات وصفت بأنها “مفبركة” تتعلق بارتباطه بتنظيم القاعدة.
وبينما تصر السلطات السعودية على أن القضية تتعلق بالأمن، ترى مصادر قريبة من الشيخ أن اعتقاله يدخل في إطار حملة أوسع تستهدف الأصوات الدينية المستقلة التي ترفض الانضواء الكامل تحت سلطة المؤسسة الرسمية.
أبو الحسن السليماني وحيثيات التوقيف
أبو الحسن السليماني عالم سلفي من محافظة مأرب اليمنية، مؤسس ومعلم في معهد “دار الحديث“، وهو معروف بكونه من التيارات السلفية المستقلة، التي لا تنضوي تحت السلفية المدخلية أو الجامية، والتي تعرف بدعمها من بعض مؤسسات السلطة في السعودية.
مواقفه الناقدة لبعض الانحرافات الفكرية والسياسية ضمن التيار المدخلي جعلته موضع مراقبة من السلطات، كما أنه مقرب إلى بعض التيارات اليمنية التي يُنظر إليها باعتبارها أقل موالاة للنموذج السعودي الرسمي.
تم نقل أبو الحسن السليماني إلى سجن الحائر في الرياض حيث خضع لجلسات تحقيق طويلة، حسب المعلومات المتداولة. الاتهام الرئيسي الموجه إليه هو “الارتباط بتنظيم القاعدة”، وهو ما تنفيه مصادر مقربة معتبرة أن التهم ملفقة وتعكس رغبة في قمع صوت مستقل وناقد.
مصادر مطلعة تربط توقيف أبو الحسن السليماني بتقربه إلى حزب التجمع اليمني للإصلاح، وهي علاقة تعتبر مقلقة من وجهة نظر السلطات السعودية، وفقا لتقارير تقول إن أي تقارب مع التيارات التي لا تلتزم الخط الرسمي أو الولاء المباشر يعد تهديدا.
الدولة والدين تحت حكم محمد بن سلمان
منذ صعود ولي العهد محمد بن سلمان إلى الواجهة عام 2017، دخلت العلاقة بين الدولة والدين في السعودية مرحلة جديدة قائمة على إعادة الهيكلة والتوحيد تحت المظلة السياسية. فبعد عقود من نفوذ المؤسسة الوهابية التقليدية التي شكلت أساس الشرعية السياسية في المملكة، بدأ ابن سلمان عملية تفكيك منهجية لتلك المنظومة، مستبدلا بها خطاب “الإسلام المعتدل” الذي يتماشى مع رؤيته التحديثية المعروفة بـ”رؤية السعودية 2030”.
لكن هذا “الإسلام المعتدل” الذي تروج له القيادة السعودية يبدو، بحسب مراقبين، أكثر ارتباطا بالولاء السياسي منه بالإصلاح الديني الحقيقي. فتم إسكات عشرات العلماء، بينهم دعاة بارزون مثل سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري، لمجرد خروجهم عن الخط الرسمي أو تحفظهم على بعض السياسات. ومعهم، تأتي قضية أبو الحسن السليماني لتؤكد أن الرقابة الدينية لم تعد مقتصرة على الداخل السعودي، بل امتدت لتشمل الدعاة المقيمين من دول عربية وإسلامية أخرى.
ويرى محللون أن الهدف الأعمق من هذه السياسات هو إخضاع الدين بالكامل للسلطة السياسية، وتحويله إلى أداة تبرير للقرارات الحكومية، لا إلى مصدرٍ للنقد أو المراجعة. فالمطلوب اليوم ليس مجرد “عالم دين معتدل”، بل “عالم طيع” لا يعترض ولا يختلف، مهما كانت القضايا المطروحة.
وتطرح هنا أسئلة جوهرية تعكس قلق المراقبين:
- هل تسعى السعودية فعلاً إلى تحديث الخطاب الديني أم إلى تفريغه من استقلاليته التاريخية؟
- هل يراد من اعتقال أمثال أبو الحسن السليماني ترهيب العلماء كي يصمتوا عن الانحرافات الفكرية والسياسية؟
- هل يمكن لمشروع “الإصلاح الديني” أن ينجح وهو قائم على القمع والرقابة بدل الحوار والاجتهاد؟
هذه الأسئلة تكشف المأزق الذي يعيشه المشهد الديني في السعودية اليوم، حيث تتداخل شعارات التحديث مع أدوات الإخضاع، وتختلط مفاهيم التجديد بالدعاية السياسية.
ختاماً، توقيف أبو الحسن السليماني يمثل منعطفا مهما في السياسة الدينية السعودية؛ حيث يظهر بوضوح أن الخطاب الرسمي لا يمنح مجالا للأصوات التي ترفض الانحياز الكامل للسلطة، حتى وإن كانت سنية وسلفية محافظة وغير متطرّفة في ظاهرها. كما أن التهم التي ترفع غالبا بأدوات أمنية تستخدم لتكريس الاستبداد الديني والحد من حرية الفكر والدين. وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحا: هل يمكن لأي مشروع إصلاح حقيقي أن يزدهر في بيئة يعتقل فيها من يختلف بالرأي أو يرفض الولاء الكامل للسلطة؟
المصدر: مسقط 24
