منظمة العفو الدولية توثق جرائم الدعم السريع المدعوم إماراتيا

منظمة العفو الدولية

عاد اسم مدينة الفاشر إلى واجهة الفظائع والجرائم المرتكبة في السودان من قبل قوات الدعم السريع المدعوم إماراتيا، وذلك عقب تقرير صادم أصدرته منظمة العفو الدولة يتضمن شهادات مباشرة لناجين من انتهاكات قوات الدعم السريع.

ويوثق التقرير قصصا مروعة تكشف حجم الانهيار الأمني، مؤكدا أن ما حدث لم يكن مجرد اشتباكات أو صدامات أو حتى تجاوزات فردية، بل حملة ممنهجة تستهدف المدنيين بإطلاق النار والتعذيب والاعتداء الجسدي والنفسي.

شهادات منظمة العفو الدولية

ترسم الشهادات صورة قاتمة جدا لمعاناة ومأساة عاشها المدنيون في الفاشر، فوفقا للتقرير، قدم ثمانية وعشرون ناجيا روايات متسقة عن عمليات قتل واختطاف وابتزاز واغتصاب، ووصفت منظمة العفو الدولية هذه الأعمال بأنها “جرائم حرب تستدعي المساءلة الفورية”.

من بين الشهادات التي وثقتها منظمة العفو الدولية كانت حكاية خليل ذو 34 عاماً، الذي فرّ من الفاشر سيرا على الأقدام، وقطع مسافة 68 كيلومترا حتى وصل إلى بلدة الطويلة. وهناك، روى لمنظمة العفو الدولية ما وصفه بـ”جحيم لا يُنسى”.

ويروي خليل أن عناصر الميليشيا أوقفوا مركبات تقل عشرين رجلا وأجبروهم على الخروج قبل أن يطلقوا النار عليهم بدم بارد، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن سبعة عشر منهم. ويضيف: “قتلوا الناس وكأن حياتهم لا تعني شيئا”. نجا خليل فقط بالتظاهر بالموت حتى غادر المسلحون.

كما تقدم شهادة بدر صاحب الـ26 عاما، مثالا آخر على هذه الوحشية. فقد اختطفه مقاتلو قوات الدعم السريع مع خمسة آخرين أثناء توجههم إلى خارج المدينة. ويقول إن المسلحين أعدموا المسنين أمام أعينهم، ثم طالبوا عائلته بفدية قدرها 8000 دولار. أما من لم تستطع عائلاتهم الدفع، فقد أطلق النار عليهم أمام الكاميرات بينما أجبر أقاربهم على المشاهدة.

هذا النمط (الاختطاف مقابل فدية) أصبح، وفقا لروايات متعددة، جزءا من اقتصاد الحرب الذي تتبعه قوات الدعم السريع، حيث تقايض الأرواح البشرية ويستخدم القتل كأداة لإذلال المجتمع وإرهابه.

كذلك، كان للنسوة نصيب من هذه المأساة فكنّ الأكثر تعرضا للانتهاكات. حيث تحدثت كلثوم صاحبة الـ29 عاما، عن عمليات اغتصاب جماعي وقعت في مخيم زمزم بعد فصل النساء عن الرجال. تقول: “تعرضت للاغتصاب مرارا وتكرارا. اختاروا أصغرهن – حوالي 11 امرأة – وتعرضت كل امرأة خضعت للاعتداء”. تؤكد هذه الروايات أن الاغتصاب كان أداة متعمدة للهيمنة والإرهاب، وليس حادثة معزولة وهو فعل مصنف بموجب القانون الدولي كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

أزمة إنسانية في الفاشر بسبب دعم الإمارات

العفو الدولية تدعو للمحاسبة

من جانبها، أكدت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أغنيس كالامارد، إلى ضرورة عدم غض الطرف على “الهجوم الوحشي” لقوات الدعم السريع على الفاشر، مشيرةً إلى الأهوال التي رواها الناجون أثناء فرارهم من المدينة.

وأضافت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية: “مع استمرار النزاع، تشكل روايات الناجين والناجيات دليلا إضافيا على إخفاق المجتمع الدولي في السودان. وينبغي للمجتمع الدولي تكثيف جهوده لضمان المساءلة، وحماية الأشخاص المعرضين للخطر، ومطالبة جميع الدول التي تدعم قوات الدعم السريع بشكل مباشر أو تيسّر لها ارتكاب الانتهاكات بأن تغير مسارها فورا”.

تتوالى هذه الجرائم في ظل تصاعد الاشتباكات في ولايات كردفان الثلاث بين الجيش وقوات الدعم السريع، متسببة في مقتل عشرات الآلاف ونزوح ما يقرب من 13 مليون شخص، في واحدة من أسرع موجات النزوح الجماعي في العالم.

في الخلفية، يلوح عامل خارجي لا مفر منه  وهو دعم الإمارات لقوات الدعم السريع ماليا وعسكريا ولوجستيا عبر شبكات تهريب تمتد من ليبيا وتشاد إلى البحر الأحمر، وذلك بحسب تقارير غربية موثقة.

وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية، فإن “الدعم الإماراتي سهل لقوات الدعم السريع ارتكاب هذه الجرائم”. كما أضاف التقرير أن هذا الدعم المتواصل “أجج دوامة العنف المستمرة ضد المدنيين في السودان”.

وعلى الرغم من نفي أبوظبي بشكل رسمي ولمرات عديدة، ضلوعها بتقديم أي دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وتأكيدها في عدة مناسبات التزامها بالحل السياسي ووقف إطلاق النار، تشير الأدلة الميدانية التي تنقلها العديد من التقارير والتحقيقات الاستقصائية إلى أن قوات الدعم السريع ما كانت لتتمكن من مواصلة عملياتها لولا هذا الدعم الأجنبي. فنقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن تقارير استخباراتية غربية، أن أبوظبي تعتبر الداعم الخارجي الأبرز لقوات الدعم السريع منذ بداية الحرب في أبريل 2023.

كذلك، أكدت تحقيقات مستقلة لصحيفة “Foreign Policy” وصحف عالمية أخرى، أن الإمارات استخدمت قواعد جوية في تشاد وليبيا لإرسال شحنات أسلحة من بينها طائرات مسيّرة لقوات الدعم السريع.

كما أن التسريبات الأمريكية التي نشرت مؤخرا وعلى رأسها تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو بالقول: “نحن نعرف الدول التي تزود قوات الدعم السريع بالسلاح”، أكدت رغم عدم ذكر الإمارات أنها هي المقصودة.

تقرير منظمة العفو الدولية ليس مجرد وثيقة حقوقية، بل هو شهادة تاريخية تؤكد أن ما يحدث في الفاشر يشكل جرائم حرب مكتملة الأركان، وأن صمت المجتمع الدولي هو مشاركة غير مباشرة، وأن استمرار الدعم الأجنبي وخاصة الإماراتي يعني المزيد من القبور والاغتصاب والتشريد.

ختاماً، يخلص تقرير منظمة العفو الدولية، فإن العدالة الحقيقية لا تبدأ فقط بمحاسبة الجناة على الأرض، بل أيضا بمحاسبة من زودهم بالمال والسلاح والغطاء السياسي. فالمدنيون السودانيون لم يفروا من الفاشر خوفا من الميليشيات فحسب، بل من شبكة إقليمية بأكملها حولت دارفور إلى ساحة مفتوحة للموت والابتزاز والإبادة.

المصدر: مسقط 24

→ السابق

سعر خام عُمان ينخفض إلى 62.82 دولار للبرميل

التالي ←

مشروع سكة السلام: تطبيع اقتصادي مع الاحتلال برعاية إماراتية

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة