تشهد الامارات حالة تعبئة إعلامية مكثفة، في محاولة يائسة لإعادة رسم صورتها بعد تورطها الميداني والمالي وانكشاف المشاريع الاماراتية الصهيونية في الحرب السودانية، التي أودت بحياة الآلاف ودمّرت مدناً بأكملها مثل الفاشر ونيالا، وبينما تتصاعد التقارير الدولية التي توثق تدفق السلاح عبر الأراضي الاماراتية لدعم ميليشيات الدعم السريع، اندفع الاعلام الرسمي والموجه إلى حملة دفاع محمومة عن أبوظبي.
ومع بداية انكشاف المشاريع الاماراتية الصهيونية، حرّكت السلطات شبكاتها الإعلامية الواسعة – من قنوات تلفزيونية إلى مؤثرين ومدونين في العواصم العربية – في محاولة لتغيير السردية العامة، خيث تحوّل الخطاب إلى تمجيد «دور الإمارات الإنساني» و«دعمها للأشقاء العرب»، متجاهلاً الأدلة المتزايدة على تورطها في تمويل وتسليح الميليشيات المتحاربة في السودان.
واختارت أبوظبي استراتيجية تحويل الأنظار عبر اتهام خصومها بإطلاق “حملة إخوانية” ضد الدولة، هذا الخطاب المكرر، الذي بات سمة ثابتة في الأزمات التي تواجهها الامارات، هدفه تشويه النقد الجاد وإلباسه لبوس “المؤامرة”.
لكن المفارقة أن الحملة الإعلامية التي أُطلقت لتجميل الصورة، زادت الطين بلّة، فكلما ارتفع صوت المدافعين المأجورين وتعددت المنابر المدافعة عن الامارات، اتسعت دائرة الشكوك. وبدا الارتباك الرسمي أوضح من أي وقت مضى، في مشهد يعكس أزمة ثقة عميقة في رواية أبوظبي عن نفسها.
أصوات مأجورة تدافع عن الامارات
ما إن بدأت صور المجازر في مدينة الفاشر تنتشر عبر وسائل الإعلام، حتى تحركت دوائر القرار في أبوظبي بهدوء، مطلقة نداءات غير مباشرة إلى الموالين والمؤثرين العرب: «تحركوا»، «ادعموا الامارات»، «احموا سمعتها». ولم يمض وقت طويل حتى ظهر إعلاميون معروفون بولائهم للسلطة، أبرزهم المصري أحمد موسى، ليقدّم خطابًا دفاعيًا يصف الانتقادات الموجهة للإمارات بأنها “هجمة إخوانية إرهابية”.
لكن دفاع موسى لم يكن مبادرة فردية بقدر ما كان ترجمة حرفية لهواجس القصر في أبوظبي، الذي يواجه موجة غير مسبوقة من التسريبات والتقارير الميدانية الموثقة حول دور الدولة في تمويل وتسليح أطراف النزاع في السودان.
ومع غياب أي ردّ موضوعي على هذه الاتهامات، ركّز الإعلام الموالي على إثارة العواطف واستدعاء الشعارات، مثل «الإمارات دولة محترمة» و«تحب الأشقاء العرب». خطابٌ يهدف إلى احتواء الأزمة بدل مواجهة الحقائق المتراكمة التي تزيد من عزلة أبوظبي الأخلاقية والسياسية في الإقليم.
ويؤكد الخطاب الموالي لابوظبي أنه مجرد سعي إلى احتواء الفضيحة بلغة عاطفية تستحضر “الأخوة” و”الوفاء”، في محاولة لتبديل السؤال عن الجرائم بسردية وجدانية تُبرر الصمت، غير أن هذا الأسلوب لم يُفلح في إقناع أحد، بل كشف هشاشة المنطق الذي يستند إليه المدافعين المأجورين عن الامارات.
فالدفاع الذي كان موجهاً للرأي العام الخارجي تحوّل تدريجياً إلى خطابٍ داخلي يهدف إلى تهدئة القاعدة الشعبية الاماراتية القلقة، أمام سيل الاتهامات والادلة التي تربط بلادها بدعم الحرب في السودان. وهكذا باتت الدعاية تخاطب الداخل أكثر من الخارج، في مؤشر على عمق الارتباك داخل بنية السلطة نفسها.
استراتيجية الضجيج والتعويم الاعلامي
انتقلت أبوظبي في تعاملها مع الاتهامات المتعلقة بدورها في الحرب السودانية من مرحلة الإنكار الكامل إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على التعويم الإعلامي، أي إغراق الفضاء العام بضجيجٍ لفظي هدفه تشويش الصورة لا تصحيحها.
فالمنظومة الإعلامية الموالية للدولة تضخّ يومياً خطاباً وطني متكرر من قبيل «نحارب الإرهاب»، «نحمي استقرار المنطقة»، و«نواجه حملات الكراهية»، في حين يتم تجاهل لبّ القضية: الاتهامات المتزايدة بتورط الامارات في تمويل وتسليح جماعة مسلحة متهمة بارتكاب مجازر شنيعة في دارفور.
هذا التحول من النفي إلى الإغراق الدعائي يشير إلى إدراك داخل دوائر الحكم بأن سياسة الإنكار لم تعد قابلة للاستمرار، وأن الخيار المتاح هو تضخيم الضجيج لتغطية الحقائق التي تتكشف تباعاً.
لكن هذه الفوضى الخطابية سرعان ما ارتدت على صانعيها، إذ أصبح التكرار المفرط والاندفاع العاطفي مادةً للسخرية لدى المتابعين، وكشف أن وراء الأصوات المرتفعة حالة خوف وارتباك أكثر منها دفاعا عن موقف أو قناعة.
المشاريع الاماراتية الصهيونية
في قلب الحملة الإعلامية الاماراتية الراهنة وانكشاف المشاريع الاماراتية الصهيونية، يبرز توظيف الاقتصاد والإنجازات الاستثمارية كواجهة دعائية لتبييض السمعة. فخطاب الدفاع لم يعد يستند إلى نفي الاتهامات، بل يقوم على معادلة مبسطة: من ينتقد الامارات إنما يعادي النجاح والاستقرار والتنمية.
وتحت هذا الغطاء، تُستخدم المشاريع التجارية والرياضية والفنية لإعادة إنتاج صورة الدولة كـ قوة خير في المنطقة، بينما تُدفع الجرائم والانتهاكات إلى خلفية المشهد، لتختفي خلف الأبراج اللامعة والموانئ المزدهرة والمهرجانات الفخمة.
كما يستدعى خطاب “الاخوة العربية” لتعزيز الغطاء الأخلاقي، عبر عبارات من قبيل “الامارات تحب العرب” و”تساعد المحتاجين”، في محاولة لتثبيت هوية إنسانية تضعفها الوقائع الميدانية والمؤامرات الامارات الصهيونية التي تسعى لتفتيت الوطن العربي.
غير أن هذا الخطاب العاطفي يفقد تأثيره في زمن الشفافية الرقمية والتحقيقات المستقلة، حيث لم تعد المليارات المنفقة في السودان تقدم كدليل على الكرم الانساني، بل كمؤشرات على النفوذ والتورط وتدمير الدول العربية.
الاعلام يفقد قدرته على الاقناع
في ختام المشهد، تبدو الحملة الاعلامية الاماراتية أقرب إلى محاولة لامتصاص الصدمة داخليا، أكثر من سعيها لتصحيح السمعة في الخارج، فأبوظبي تدرك أن المجتمع الدولي لم يعد يثق بـ بياناتها الرسمية، وأن وسائل الاعلام العالمية تملك ما يكفي من الوثائق والشهادات لتأكيد تورطها في النزاعات الاقليمية.
لذلك انحصر تركيزها في الداخل الخليجي والعربي، حيث تعمل على شراء التعاطف ، وتعيد تدوير فزاعة الإخوان لتبرير مؤامراتها وخططها، غير أن هذا الخطاب المكرر بات فاقد للتأثير، بل أصبح مؤشر على عمق الأزمة داخل بنية السلطة.

