في ظل التحولات العميقة التي طرأت على منصة “إكس” بعد أن استحوذ عليها إيلون ماسك، تحولت هذه المنصة إلى ما يمكن وصفه بـ منصة الكراهية إكس، وهي مساحة رقمية تتغذى على الغضب والانقسام. لم تعد “إكس” مجرد موقع تواصل اجتماعي، بل أصبحت أداة فعالة لنشر خطاب الكراهية، خصوصا ضد المسلمين في بريطانيا، كما كشفت تقارير دولية موثوقة، بينها تقرير مهم لمنظمة العفو الدولية.
فقد أتاح تصميم الخوارزميات والسياسات المتهورة بيئة خصبة لتضخيم الأكاذيب والتحريض، مما أدى إلى موجات من العنف الميداني انعكست في حوادث شغب وتوترات اجتماعية، لتصبح هذه المنصة نموذجا صارخا لإخفاق التكنولوجيا عندما تغيب الرقابة الأخلاقية.
منصة الكراهية إكس: حادثة ساوثبورت
لقد أثبتت منصة الكراهية إكس أن الخطر لا يكمن فقط في المحتوى الذي ينشره الأفراد، بل في البنية التقنية التي تعيد توزيع هذا المحتوى وتمنحه الأولوية إذا كان يثير الغضب أو يثير الجدل. وفقا لتقرير منظمة العفو الدولية، فإن خوارزميات المنصة صممت لتعزيز المحتوى الأكثر إثارة، بغض النظر عن مصداقيته أو خطورته، وهو ما سمح بانتشار واسع لخطاب معاد للإسلام بعد حادثة ساوثبورت في بريطانيا عام 2024.
وخلال ساعات قليلة فقط، انتشرت مزاعم كاذبة بأن المهاجم “مسلم” و”لاجئ” و”وصل بالقارب”، قبل أن تتضح الحقائق. هذه الأكاذيب لم تبق محصورة في الفضاء الرقمي، بل ساهمت في تأجيج مشاعر الكراهية التي انعكست على الأرض.
وفي أعقاب الحادثة، أظهرت البيانات التي حللتها منظمة العفو الدولية أن منشورات من حسابات معروفة بخطابها المعادي للمسلمين، مثل حسابات ناشطين يمينيين متطرفين، حققت ملايين المشاهدات في فترة وجيزة. أحد هذه الحسابات تجاوزت منشوراته 27 مليون مشاهدة خلال 24 ساعة فقط، في مؤشر على مدى قدرة المنصة على تضخيم الرسائل السامة. اللافت أن هذه المنشورات لم تقتصر على رواية الحدث من منظور منحاز، بل أضافت إليه عناصر تحريضية صريحة، تدعو بشكل مباشر أو ضمني إلى استهداف الجاليات المسلمة والمهاجرين.
كما وصف تقرير مركز دراسة الكراهية المنظمة (CSOH) المنصة بأنها أصبحت “قناة توزيع عالية السرعة” للأكاذيب التي تفجر العداء والتمييز تجاه المسلمين، خاصة الرجال البريطانيين من أصول باكستانية وجنوبية آسيوية.
دور إيلون ماسك في المشهد
لم يكن إيلون ماسك مجرد مالك منصة الكراهية إكس، بل كان مشاركا نشطا في صياغة المناخ الفكري والسياسي الذي عزز هذه الخطابات. فمن خلال إعادة تفعيل حسابات سبق حظرها بسبب خطاب الكراهية، وتقليص فرق الإشراف على المحتوى، أرسل ماسك رسالة واضحة بأن السقف قد أزيل. بل إن بعض تغريداته الشخصية ساهمت في تضخيم الروايات المضللة ما زاد من حدة الانقسام وأعطى الشرعية لخطاب التطرف الرقمي.
وبرز ذلك أيضاً من خلال تعليق مثير للجدل قال فيه: “الحرب الأهلية حتمية”، في دلالة ضمنية على أن التوترات العرقية والدينية مقبولة أو حتى متوقعة. هذا الموقف، بحسب العفو الدولية، لا يمثل فقط فشلا في تحمل المسؤولية، بل يعكس تورطا مباشرا في تعزيز الكراهية.
كذلك، في مواجهة هذه الاتهامات المسندة إلى منصة الكراهية إكس، اختارت المنصة سياسة الهجوم القانوني، إذ رفعت دعاوى قضائية ضد مؤسسات مثل CCDH (مركز مكافحة الكراهية الرقمية)، بعد نشرها أبحاثا تتناول ارتفاع الكراهية على المنصة.
الخوارزميات تقود الشارع
تعمل خوارزميات منصة الكراهية إكس على منح الأولوية للمحتوى الذي يحظى بتفاعل كبير، حتى لو كان تفاعلا سلبيا. هذه السياسة لا تفرق بين الجدل الصحي والتحريض الخطر، بل تعتبر كل تفاعل نجاحا. النتيجة أن المنشورات المليئة بالتحريض على المسلمين أو تصويرهم كتهديد أمني واجتماعي، تجد طريقها سريعا إلى قوائم “الأكثر تداولا”، ما يمنحها شرعية إضافية في أعين المستخدمين العاديين.
ولم يبق الأمر عند حدود التعليقات والتغريدات. فقد رصدت التقارير، بما فيها تقرير العفو الدولية، تحول هذا الخطاب المسموم إلى أفعال ميدانية، شملت مهاجمة مراكز إسلامية، والاعتداء على متاجر يديرها مهاجرون، وتهديدات لفظية وجسدية استهدفت أفرادا بسبب مظهرهم أو انتمائهم الديني. السلطات البريطانية اضطرت للتدخل واعتقال بعض المتورطين في التحريض عبر المنصة، وهو ما يؤكد أن العالم الرقمي لا ينفصل عن الواقع الملموس.
غياب المساءلة
رغم الانتقادات الدولية، لم تغير إدارة المنصة سياستها جذريا. فقد ظل التركيز على “حرية التعبير” بمفهومها المطلق، متجاهلين أن هذه الحرية يمكن أن تتحول إلى أداة للقمع عندما تُستخدم لنشر الكراهية ضد فئات محددة. المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها العفو الدولية، طالبت بفرض تشريعات أكثر صرامة لضمان أن لا تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات لهدم النسيج الاجتماعي.
ختاماً، إن ما حدث في بريطانيا بعد حادثة ساوثبورت هو مثال صارخ على الخطر الذي تمثله منصة الكراهية إكس عندما تدار بخوارزميات بلا ضوابط، وتشرف عليها إدارة لا ترى في خطاب الكراهية تهديدا حقيقيا. في عالم مترابط كهذا، تصبح المسؤولية الأخلاقية للشركات التكنولوجية مضاعفة، لأنها لا تتحكم فقط في تدفق المعلومات، بل في تشكيل المزاج العام وتوجيهه. ولذلك، فإن معالجة هذه الأزمة تتطلب إجراءات حازمة تشمل إعادة تصميم الخوارزميات لتقليل التضخيم الضار، وتعيين فرق إشراف مستقلة، وفرض رقابة قانونية صارمة، حتى لا تتكرر المأساة، ويظل الفضاء الرقمي مكانا للتواصل الإنساني، لا ساحة للتحريض والانقسام.
المصدر: مسقط 24
