في موقف نادر وجريء من أحد أفراد الأسرة الحاكمة في دولة الإمارات، فجرت الشيخة جواهر القاسمي، زوجة حاكم الشارقة، موجة من الجدل وردود الفعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد نشرها سلسلة تغريدات نارية على حسابها الرسمي في منصة “إكس” (@jawaheralqasimi)، هاجمت فيها بشدة المطبعين مع الاحتلال الإسرائيلي، واتهمت من وصفتهم بـ”أقلام النفاق” بمحاولة التبرؤ المتأخر من دعمهم للعدو الإسرائيلي.
ظهور اسم الشيخة جواهر القاسمي في هذا السياق السياسي والوجداني، أعاد إلى السطح الأسئلة التي لم تُحسم منذ موجة التطبيع الرسمي بين عدد من الدول العربية وتل أبيب، كما أثار نقاشا حادا حول اتساع الهوة بين المواقف الشعبية والغضب الإنساني من جهة، والمصالح الرسمية والدبلوماسية من جهة أخرى.
الشيخة جواهر القاسمي: اليوم فقط عرفتم قبح الإسرائيليين؟
في تغريدة أثارت ضجة واسعة، كتبت الشيخة جواهر القاسمي: “ما رأينا من قبحهم إلا هذا. ما رأينا الدماء والقتل والتجويع. ما رأينا استيلاءهم وتوعدهم للعرب أجمعين. اليوم فقط عرفنا أنهم لا يستحقون البقاء في بلادنا؟ الأقلام المنافقة التي رحبت بهم هي اليوم تكتب باستغراب عن قبحهم. زمن النفاق”.
من خلال هذه الكلمات الحادة، وجهت الشيخة جواهر القاسمي رسالة مزدوجة، فهي من جهة تفضح ممارسات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين والعرب، ومن جهة أخرى تنتقد علنا من تورطوا في تبييض صورة الاحتلال عبر بوابة التطبيع، معتبرة أن استغرابهم المتأخر من “قبح” الإسرائيليين لم يعد مقبولا.
وتكرار عبارة “اليوم فقط عرفتم؟” تحمل استنكارا واضحا للدهشة الزائفة التي يبديها المطبعون حين تظهر الجرائم الإسرائيلية للعالم، وكأنهم لم يكونوا على علم بما يحدث في غزة والضفة والقدس منذ عقود.
ويأتي ذلك على خلفية تحرك من وصفتهم الشيخة بـ”الأقلام المنافقة” بشدة تجاه قيام السفير الصهيوني يوسي شيلي بالتحرش بموظفة في إحدى الحانات بأبوظبي، ما أدى لتحرك السلطات الإماراتية للمطالبة بتغييره.
مواقف متكررة للشيخة جواهر
ليست هذه المرة الأولى التي تخرج فيها الشيخة جواهر القاسمي عن المألوف في خطابات نساء الأسر الحاكمة في الخليج، لكنها تعد واحدة من اللحظات النادرة التي يتم فيها توجيه انتقاد مباشر لهذا المستوى من العلاقة مع الاحتلال، خاصة في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر 2023، والتي راح ضحيتها أكثر من 38 ألف فلسطيني، وفق بيانات أممية.
ويلاحظ المتابعون أن استخدام منصات التواصل من قبل أفراد العائلات الحاكمة الخليجية بات ملجأ لبعض المواقف التي يصعب طرحها ضمن القنوات الرسمية. وفي حالة الشيخة جواهر القاسمي، فإن حسابها على “إكس” بات منصة لنقد صارم يتقاطع مع مشاعر الرأي العام العربي المتعاطف مع الشعب الفلسطيني.
الشارقة على مفترق
رغم أن الشارقة جزء من دولة الإمارات العربية المتحدة التي وقعت اتفاق التطبيع مع إسرائيل ضمن ما عُرف بـ”اتفاقيات أبراهام” عام 2020، فإن الموقف العلني للشيخة جواهر القاسمي يبدو مغايرا، بل ومعارضا، للتوجه السياسي الاتحادي في البلاد. فقد سبق للشيخة أن أعربت عن تعاطفها العميق مع أهالي غزة، وتحدثت علنا عن الانتهاكات الإسرائيلية خلال الأعوام الماضية.
وبذلك، تسهم تصريحات الشيخة جواهر القاسمي في ترسيخ حالة من التمايز السياسي والوجداني داخل النسيج الرسمي، وتفتح بابا واسعا للتساؤل: هل نشهد بداية تغير في الخطاب الرسمي أم أنه مجرد تعبير شخصي حر في هامش محدود؟
دعم للشيخة وانتقادات للمطبعين
انتشرت تغريدات الشيخة جواهر القاسمي انتشارا واسعا عبر منصات الإعلام العربي والغربي، وتفاعل معها عدد كبير من الناشطين، بينهم سياسيون وأكاديميون وإعلاميون، حيث عبر الكثير منهم عن دعمهم لموقفها، معتبرين أنه يعكس الضمير العربي الحقيقي.
في المقابل، أثارت تصريحاتها انزعاج بعض الشخصيات المقربة من دوائر التطبيع الإعلامي، الذين اعتبروا أن التصريحات “تغذي خطاب الكراهية”، بحسب وصفهم، فيما رد ناشطون بأن الكراهية هي نتيجة أفعال الاحتلال، لا مواقف الضحايا والمتضامنين.
اللافت أن معظم وسائل الإعلام الرسمية في الإمارات لم تغط هذه التصريحات، ما يطرح تساؤلات حول هامش التعبير المتاح، خاصة إذا ما تعلق النقد بعلاقات سياسية حساسة. في المقابل، تناولت مواقع معارضة وعدد من الصحف الدولية ومنها “الجارديان” و”ميدل إيست آي” مضمون التغريدات، معتبرة أنها تعكس “تحولا في المزاج العام داخل بعض الأسر الحاكمة”.
ختاماً، تكمن أهمية تغريدات الشيخة جواهر القاسمي في أنها جاءت من داخل النخبة، ومن بيت حكم، لا من معارضة أو خارج السرب. هذا ما يضفي على تصريحاتها ثقلا خاصا، ويمنحها تأثيرا مضاعفا في زمن غاب فيه الصوت العربي الصريح ضد التطبيع. اليوم، حين تكتب الشيخة جواهر القاسمي: “زمن النفاق”، فإنها لا تقصد فقط من طبع، بل من زيف ومن تجاهل ومن صمت عن الدم الفلسطيني المراق. في زمن تكالبت فيه الأقلام لتجميل الاحتلال يبقى لصوت الحقيقة وقع أقوى وإن جاء من أعلى المنصات.
المصدر: مسقط 24
