تبدو الهدنة الإنسانية في غزة على وشك الانهيار وسط تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية واستمرار الحصار الخانق الذي يحرم السكان من أساسيات الحياة.
فمنذ دخول الهدنة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تتحدث السلطات الفلسطينية عن خروق متكررة، بينما تصر إسرائيل على أن الهدنة لا تزال سارية لكنها تمر بـ”اختبار بالغ الحرج”.
الهدنة الإنسانية في غزة: انتهاكات وحصار
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أعلن توثيقه 194 انتهاكا منذ بدء الهدنة الإنسانية في غزة، شملت غارات جوية واقتحامات عسكرية واستهداف مناطق مأهولة، إلى جانب استمرار القيود على دخول المساعدات. وتسببت هذه الانتهاكات بمقتل عشرات المدنيين بينهم أطفال ونساء، رغم النص الصريح للاتفاق على وقف كامل لإطلاق النار وسحب القوات إلى ما يعرف بالخط الأصفر.
وفي وقت تتحدث فيه تل أبيب عن التزام مشروط بالهدنة، تشير التقارير الفلسطينية إلى أن إسرائيل لم تتوقف عن فرض حصار قاسٍ، إذ تمنع دخول أكثر من 350 صنفا من المواد الغذائية الأساسية، تشمل اللحوم والألبان والخضروات والأسماك والمكملات الغذائية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الصحية والمعيشية في القطاع. كما تسمح فقط بدخول سلع ذات قيمة غذائية متدنية مثل المشروبات الغازية والوجبات المصنعة، بأسعار تفوق قيمتها بأضعاف بسبب التحكم بسلاسل الإمداد.
من أصل 15600 شاحنة كان من المفترض دخولها منذ توقيع الهدنة الإنسانية في غزة، لم يسمح سوى بدخول 4453 شاحنة، منها كميات محدودة من غاز الطهي والوقود المخصص لتشغيل المستشفيات والمخابز. ويؤكد المكتب الإعلامي أن متوسط الشاحنات اليومية لا يتجاوز 171 شاحنة، في حين نص الاتفاق على 600 شاحنة يوميا لتلبية الحاجات الإنسانية الملحة.
هذا النقص الحاد في الغذاء والدواء والوقود أدى إلى تفاقم المجاعة وارتفاع معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال. ففي مستشفى ناصر بخان يونس، رصدت حالات متزايدة من الأطفال المصابين بنقص حاد في التغذية، فيما سجلت وفيات جديدة بسبب منع نقلهم للعلاج خارج القطاع. وتصف مؤسسات الإغاثة الوضع بأنه كارثي، محذرة من أن استمرار الانتهاكات والإغلاق سيحول دون أي أثر ملموس لاتفاق وقف النار.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن القوات الإسرائيلية لا تزال تتجاوز ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، وتنفذ عمليات تمشيط واقتحام في أطراف المناطق السكنية، خصوصا في شمال القطاع وشرقي خان يونس، ما يضع الهدنة الإنسانية في غزة أمام خطر الانهيار الكامل. كما رصدت منظمات حقوقية إطلاق نيران مدفعية متكررة على مناطق مأهولة رغم سريان الاتفاق، ما أسفر عن خسائر بشرية وأضرار جسيمة في الممتلكات.
هدنة شكلية: غياب الضمانات
في المقابل، يرى مراقبون أن الهدنة التي أبرمت بوساطة أميركية كانت تهدف إلى منح فرصة “للاستراحة الإنسانية”، لكنها لم تتحول إلى واقع ملموس بسبب غياب الضمانات الدولية وغياب آلية رقابة فعالة على تطبيقها. ويشير محللون إلى أن الهدنة فقدت مضمونها تدريجيا مع استمرار التصعيد، حتى باتت “هدنة شكلية” لا تغير من الواقع الإنساني المتدهور شيئا.
وعلى الصعيد السياسي، دعت تركيا وعدد من الدول العربية والإسلامية إلى إرسال قوة استقرار دولية بإشراف الأمم المتحدة لضمان احترام الهدنة الإنسانية في غزة ووقف الاعتداءات. لكن الموقف الإسرائيلي ظل متصلبا، إذ تربط تل أبيب التزامها بما تسميه “الرد المناسب” على أي تجاوز، ما يعني أن تنفيذ بنود الهدنة يخضع لتقديرات عسكرية لا إنسانية.
انهيار الهدنة الإنسانية في غزة يعني عودة شبح الحرب بكل ما يحمله من دمار، مع تصاعد احتمالات إطلاق عمليات عسكرية جديدة وتدهور إضافي في الوضع المعيشي. ومع استمرار منع المساعدات وغياب الضغط الدولي الفاعل، يجد سكان القطاع أنفسهم أمام أزمة متواصلة بلا أفق، حيث الجوع والمرض باتا السمة اليومية لحياتهم.
ختاماً، في ظل هذا المشهد القاتم، تبقى الهدنة الإنسانية في غزة عنوانا هشا بين تصعيد لا يتوقف، ومفاوضات لا تثمر، ووعود دولية لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وبين صمت المجتمع الدولي وتجاهل الاحتلال، يدفع المدنيون ثمن هدنة تحولت من أمل في النجاة إلى شاهد جديد على عجز العالم عن حماية أبسط حقوق الإنسان في غزة.
المصدر: مسقط 24
