الذهب والسلاح السوداني يفضحان ازدواجية الموقف والادعاءات

الذهب والسلاح السوداني

خلف العبارات الدبلوماسية المنمقة عن “الاستقرار والتنمية” تقف شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والعسكرية، جعلت من الذهب والسلاح السوداني أحد أبرز عوامل استمرار المأساة السودانية لا حلها، فبينما أصدرت دولة الإمارات بيانا تؤكد فيه “الحياد ودعم الحلول السلمية” في السودان، تكشف الوقائع الميدانية والتقارير الدولية عن واقع مغاير تماما.

البيان الإماراتي بدا كأنه محاولة سياسية لتبرئة الذات بعد تصاعد الاتهامات بدعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهي الاتهامات التي وثقتها منظمات دولية عدة، أبرزها تقرير “The Sentry” الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

الذهب والسلاح السوداني: تهريب عبر الإمارات

التقرير قدم أدلة دامغة على أن دبي تحولت إلى مركز مالي ولوجستي لإدارة شبكة معقدة تُهرّب عبرها كميات ضخمة من ذهب دارفور، لتحول لاحقا إلى أموال تمول المجهود العسكري لقوات الدعم السريع.

وبحسب التقرير، كان الذهب والسلاح السوداني وجهين لعملة واحدة في اقتصاد الحرب السوداني؛ إذ تمر شحنات الذهب من غرب السودان إلى الإمارات، حيث تباع وتغسل عبر شركات واجهة مسجلة في دبي، ثم تعود قيمتها على شكل معدات عسكرية وذخائر ووقود وشاحنات. هذا النظام المموه مكن حميدتي من بناء “مبراطورية مالية” مستقلة عن مؤسسات الدولة السودانية، وخلق شبكة اقتصادية تدور كلها حول الذهب كمصدر تمويل رئيسي للحرب.

وعلى الرغم من نفي أبوظبي المتكرر، فإن آثار هذا الدعم تبدو واضحة في الميدان، وخصوصا في مدينة الفاشر التي تحولت إلى مركز للكارثة الإنسانية. فهناك، ارتكبت قوات الدعم السريع جرائم موثقة وصفتها الأمم المتحدة بأنها “منهجية وسادية”، شملت القتل الجماعي والاغتصاب والإعدامات الميدانية.

ويرى مراقبون أن استمرار هذه الجرائم ما كان ليحدث دون تدفق التمويل والتسليح من الخارج، حيث لعب الذهب والسلاح السوداني دورا حاسما في تمكين الميليشيات من السيطرة على مساحات واسعة من دارفور وكردفان.

محور المقاومة الإقليمي.. الفاشر

تجارة الذهب أمانة! 

أما ما ورد في البيان الإماراتي بشأن “تحويل كميات محدودة من الذهب إلى المصرف المركزي الإماراتي” فليس سوى محاولة لتجميل صورة عمليات يشتبه بأنها شكل من أشكال نهب الموارد تحت غطاء قانوني. فكيف يمكن لبلد يتهم بأنه مركز لتجارة الذهب المهرب أن يدعي أنه يحتفظ به “أمانة” لصالح الشعب السوداني؟ بل إن الحديث عن تخصيص جزء من هذا الذهب للمساعدات الإنسانية يبدو متناقضا مع الوقائع التي تؤكد أن طائرات المساعدات نفسها استخدمت مرارا كغطاء لنقل شحنات عسكرية إلى قوات الدعم السريع في غرب السودان وتشاد.

ويؤكد محللون أن استمرار هذا النمط من التعامل يجعل الذهب والسلاح السوداني خطراً مزدوجاً: فهو من جهة يمول آلة الحرب، ومن جهة أخرى يضعف أي مسار حقيقي للتسوية السياسية. فالحديث عن الحياد يفقد معناه حين يكون السلاح والمال في جهة واحدة، وحين تتحول المساعدات الإنسانية إلى ستار لعمليات لوجستية تخدم طرفاً مسلحاً على حساب الدولة السودانية ووحدتها.

المفارقة أن البيان الإماراتي دعا المجتمع الدولي إلى التركيز على “القضايا الإنسانية” بدل “الاتهامات الهامشية”، لكنه تجاهل أن الكارثة الإنسانية ذاتها هي نتيجة مباشرة لتلك الاتهامات التي يسعى إلى نفيها. فالفاشر، التي تشهد اليوم واحدة من أفظع المآسي في القرن الحادي والعشرين، هي الدليل الحي على أن الذهب والسلاح السوداني لم يساهما في بناء السلام، بل في تمويل الفوضى وتعميق الانقسام.

ختاماً، إن إنكار الحقائق لا يغيرها، ومحاولة تبرير تجارة الذهب أو الأمانة المزعومة لا تمحو الدماء التي تسيل في دارفور. فالأزمات لا تحل بالبيانات الدبلوماسية، بل بمحاسبة من جعل من الذهب والسلاح السوداني وقوداً لحرب دمرت السودان وأفقدته بوصلته نحو الاستقرار.

المصدر: مسقط 24

→ السابق

الهدنة الإنسانية في غزة بين الانتهاكات والحصار المتواصل

التالي ←

مجلس الدولة يستضيف وفدا من خبراء صندوق النقد الدولي

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة