مع اقتراب ذكرى عاشوراء، تعود إلى الواجهة ملحمة خالدة من ملاحم التاريخ الإنساني، هي ثورة الإمام الحسين (رضي الله عنه)، التي تحولت إلى أيقونة للحق في وجه الباطل، ومصدر إلهام دائم لكل من يسعى لمقاومة الطغيان واستعادة الكرامة. لم تكن واقعة كربلاء مجرد حادثة تاريخية وقعت في القرن الأول الهجري، بل شكلت نقطة تحوّل في الوعي الجمعي الإسلامي، وتركت أثرا عميقا لا يزال حيا في الضمير الحر إلى يومنا هذا.
خرج الحسين بن علي من المدينة إلى كربلاء مدركا المصير الذي ينتظره، لكنه آثر الموت بكرامة على الحياة بذل، ليؤكد أن الرسالة أسمى من الذات، وأن مقاومة الظلم فريضة لا تسقط تحت وطأة الخوف أو المصالح. وفي ذلك، نستخلص من ثورة الإمام الحسين دروسا لا تزال تتردد صداها في قلوب الشعوب الباحثة عن الحرية والسيادة، وأبرزها اليوم في فلسطين، حيث يواجه الشعب في غزة آلة البطش الصهيونية في مقاومة مستمرة لا تعرف الخضوع.
ثورة الإمام الحسين: رؤية أخلاقية وثورية
خروج الإمام الحسين لم يكن طمعا في السلطة، بل انطلاقا من إحساس بالمسؤولية تجاه أمة استلب قرارها، وأُجبرت على مبايعة يزيد بن معاوية، الذي رأى فيه الحسين انحرافا خطيرا عن مبادئ الإسلام. لم يقبل الحسين أن يكون شاهد زور على تقويض العدالة وتحويل الخلافة إلى ملك عضوض، فاختار المواجهة رغم معرفته بكلفة الطريق.
لقد انطلقت ثورة الإمام الحسين من منطلق أخلاقي قبل أن تكون موقفا سياسيا. كانت صرخة في وجه التحريف، وإعلانا أن الإسلام لا يمكن أن يتواطأ مع الظلم، وأن الموقف في لحظة الحق لا يعرف الحسابات الضيقة. وهذا ما يعطي لثورة كربلاء بعدها الإنساني العابر للمذاهب والطوائف، حيث أصبحت رمزا للعدالة ومقاومة الاستبداد.
ورغم الفارق الهائل في القوة والعدد، فإن الحسين وأهل بيته ومن معه واجهوا جيشا جرارا بروح الإيمان والثبات. فكان الانتصار هنا ليس في النتيجة المادية، بل في تثبيت المبدأ. وهكذا، تحلت ثورة الإمام الحسين إلى رمز لانتصار الدم على السيف، ولأن الحق لا يُقاس بميزان القوة العسكرية.
لقد خُيل ليزيد وجنده أنهم قضوا على الثورة بقتل الحسين، لكن الحقيقة أن كربلاء صنعت الوعي، ورسخت فكرة أن مقاومة الظلم واجبة مهما كانت التكاليف، وأن الشهادة طريق للخلود لا للفناء. وهذا ما يتكرر اليوم في غزة، حيث يسقط الشهداء وهم يدافعون عن الأرض، لكنهم يحيون في الضمير المقاوم، ويشعلون جذوة الأمل رغم الحصار والمجازر.
غزة كربلاء العصر: وحدة الموقف
من كربلاء إلى غزة، يتكرر المشهد وإن اختلفت التفاصيل. الظالم يملك العتاد والدعم الدولي، والمظلوم يملك الإيمان بقضيته والتمسك بحقه. وكما خُذل الحسين من بعض من وعدوه النصرة، يُخذل اليوم أهل غزة من أنظمة تتواطأ وتُطبع مع الكيان المحتل.
لكن كما قالت السيدة زينب في مجلس يزيد: “ما رأيت إلا جميلا”، ترى غزة في صمودها جمال الحق حين يُواجه السلاح بالصبر، والمجازر بالعزيمة. ومن وحي ثورة الإمام الحسين، تستمر غزة في المقاومة، لترسخ مبدأ أن كرامة الشعوب لا تُشترى، وأن الدم حين يُراق في سبيل الحق يزرع طريق النصر ولو بعد حين.
وفيما يلي أوجه الشبه وإسقاط واقعة كربلاء على غزة:
قلة العدد وضعف الإمكانات أمام قوة غاشمة:
- في كربلاء: الحسين بن علي خرج مع قلة من أهل بيته وأصحابه لا يتجاوزون السبعين رجلا، لمواجهة جيش يزيد الذي تجاوز الآلاف.
- في غزة: فصائل المقاومة الفلسطينية تواجه منذ سنوات آلة عسكرية إسرائيلية مدعومة من أمريكا والغرب، في ظل حصار خانق ونقص شديد في الإمكانيات، لكنها تستمر في الصمود والرد.
في الحالتين، القلة لا تستسلم للقهر، بل تختار المواجهة رغم إدراكها أن ميزان القوة ليس لصالحها. وهذا يرسّخ مفهوم “انتصار الدم على السيف”.
الخذلان العربي والإسلامي:
- في كربلاء: الحسين خُذل من أهل الكوفة الذين بايعوه ثم خافوا وتركوه يواجه مصيره وحيدا.
- في غزة: شعوب عربية متضامنة، لكن معظم الأنظمة العربية إما مطبعة أو صامتة، وبعضها يمنع حتى التظاهرات أو يجامل الاحتلال.
الحسين كان يعلم أنه سيُخذل لكنه رفض السكوت، وغزة كذلك، تُخذل من “الأقربين” لكنها لا تتراجع.
الحصار والحرمان:
- في كربلاء: جيش يزيد منع الحسين وأهله من الوصول إلى الماء قبل المعركة، رغم وجوده على نهر الفرات.
- في غزة: الاحتلال يمنع إدخال الأدوية والمياه والكهرباء، ويقصف المستشفيات ويغلق المعابر، ويجعل الحياة اليومية شكلاً من أشكال الموت البطيء.
كربلاء تكررت في غزة بكل تفاصيلها: التجويع، العطش، والحصار كأدوات حرب.
المواجهة رغم اليقين بالشهادة:
- في كربلاء: الحسين خرج وهو يعلم أنه سيُقتل، وقال “إني لا أخرج أشِرا ولا بطِرا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”.
- في غزة: الشهداء يعلمون أن القصف قد يأتي في أي لحظة، لكنهم مستمرون في الدفاع عن الأرض، لأنهم يرون في المقاومة كرامة لا يمكن التفريط بها.
المعادلة واحدة: موت واقف على أن تعيش راكعا.
رسائل للضمير العالمي:
- كربلاء أصبحت رمزا عالميا وتاريخيا صامدا للمظلومية التي تصرخ بوجه التاريخ وتُشعل الضمير الإنساني.
- غزة باتت رمزا عالميا للصمود والمقاومة، تُحرج العالم بصور الأطفال والدمار، وتكشف ازدواجية معاييره.
من كربلاء إلى غزة، الصوت واحد: “هيهات منا الذلة”.
الدروس والعبر: مشروع نهضة
من أعظم الدروس المستخلصة من ثورة الإمام الحسين أنها ليست دعوة للثأر، بل دعوة للوعي والثبات، وتحمل المسؤولية في زمن الصمت. إن كربلاء تعلمنا أن القليل يمكن أن يصنع التغيير، وأن قوى الاستبداد، مهما بدت جبّارة، فهي هشة أمام الإيمان.
وفي عصر تُكمم فيه الأفواه، وتُشترى فيه المواقف، تظل كربلاء نموذجا للحرية، تعلمنا أن الصمت خيانة، وأن الكلمة المخلصة قد تُسقط الطغاة. وهذه الدروس تنطبق على شعوبنا اليوم، من اليمن إلى العراق، ومن لبنان إلى السودان، حيث لا بد من الإصرار على الحق، ورفض أنصاف الحلول التي تبيع الدماء مقابل مناصب زائلة.
ختاماً، تظل ثورة الإمام الحسين منارة يهتدي بها الأحرار، ومثالا حيا على أن مقاومة الظلم ليست خيارا بل ضرورة. في كل زمان ومكان، يجد فيها المظلومون عزاءهم، والمقاومون قدوتهم، والمتحيرون بوصلتهم. ومن وحي كربلاء، تتجدد إرادة الشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد، وتتشكل المعاني الكبرى للحرية والكرامة.
ومع إطلالة عاشوراء، لا نحيي فقط ذكرى استشهاد سبط رسول الله، بل نحيي روحا لا تموت، ورسالة لا تبلى: أن لا مكان للظالم، وأن صوت الحق مهما خُنق، سيعود ليعلو، طالما هناك من يردد: “هيهات منا الذلة”.
المصدر: مسقط 24
