تتعرض عدالة الجنائية الدولية لهجمة غير مسبوقة من أطراف دولية نافذة على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، في محاولة لتقويض استقلاليتها ومنعها من تطبيق القانون الدولي على مسؤولين إسرائيليين متورطين بجرائم حرب ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. ما يجري ليس مجرد ضغوط دبلوماسية، بل حملة منظمة تهدف إلى إفراغ مفهوم العدالة من مضمونه في محطمة الجنائية الدولية وتثبيت منطق الحصانة المطلقة لإسرائيل.
هذا ما كشفه تحقيق صحيفة لوموند الفرنسية، الذي وصف عام 2024 بـ”العام الأسود” لـ عدالة الجنائية الدولية، حيث واجهت المحكمة تهديدات وعقوبات سياسية غير مسبوقة، في مسعى لحماية نتنياهو وغالانت من المثول أمام العدالة.
ضغوط على عدالة الجنائية الدولية: العقوبات نموذجا
شهد العام الماضي تصعيدا خطيرا ضد المحكمة، حين فرضت واشنطن عقوبات على المدعي العام كريم خان وأربعة من قضاة المحكمة، على خلفية تحركاتهم لإصدار مذكرات توقيف ضد مسؤولين إسرائيليين. وتمثلت هذه العقوبات بتجميد الأصول، حظر السفر ومنع التعامل المالي، وهو سلوك يعكس عمق الاختراق السياسي لمؤسسات العدالة الدولية، بل ويقوض مبادئ استقلال القضاء.
هذه العقوبات كشفت أن عدالة الجنائية الدولية أصبحت ساحة صراع مفتوحة بين من يسعى لتطبيق القانون الدولي، ومن يريد تطويعه لخدمة نفوذه السياسي، وهو ما جعل المحكمة أمام اختبار مصيري: إما الصمود في وجه الابتزاز، أو فقدان مصداقيتها.
التحقيقات الصحفية أكدت أن الضغوط لم تقتصر على الجانب السياسي، بل شاركت فيها أجهزة استخباراتية هدفت إلى مراقبة، ابتزاز وحتى تهديد أعضاء المحكمة. ويشير مسؤولون سابقون في المحكمة إلى محاولات اختراق إلكتروني طالت مراسلات داخلية حساسة تتعلق بتحقيقات غزة، ضمن حملة متكاملة لمنع تحقيق العدالة.
تُظهر هذه التحركات أن استهداف عدالة الجنائية الدولية لم يكن عرضيا، بل استراتيجيا، بهدف تعطيل كل مسار قانوني قد يقود إلى محاسبة مجرمي الحرب في إسرائيل، وخاصة بعد تزايد الدعوات داخل المحكمة لتوسيع التحقيقات حول استخدام المجاعة كسلاح، وتدمير البنى التحتية الطبية والمدنية في غزة.
الدعم المطلق وازدواجية المعايير
في ظل هذه الضغوط، أبدى عدد من المسؤولين الأميركيين دعماً غير مشروط لإسرائيل، مؤكدين معارضتهم لأي محاولة لمساءلة قادتها أمام المحكمة، معتبرين أن ذلك “يندرج ضمن معاداة السامية”.
هذه التصريحات التي تكررت من أعضاء الكونغرس ومسؤولين في الإدارة، ساهمت في ترهيب المحكمة، وتثبيت ثقافة الحصانة بدلا من المساءلة. وبينما تتصاعد الجرائم في غزة، تُحرم المحكمة من أبسط وسائل تنفيذ قراراتها، ما يُضعف من فعالية عدالة الجنائية الدولية ويعزز انطباعا بأنها لا تملك سلطة فعلية أمام الدول القوية.
وهنا يتساءل مراقبون: لماذا تتحرك المحكمة بسرعة عند حدوث انتهاكات في إفريقيا أو البلقان، بينما تُشل إرادتها حين يتعلق الأمر بإسرائيل؟ الجواب بسيط ومؤلم: لأن بعض الدول الكبرى لا تقبل بأن تطبق القوانين الدولية على حلفائها.
هذه الازدواجية ليست فقط مؤشراً على خلل بنيوي في النظام الدولي، بل تهديد مباشر لمفهوم عدالة الجنائية الدولية الذي فقد حياده في عيون ملايين المظلومين.
الضحايا حاضرون والمحكمة غائبة
تستمر الجرائم اليومية في غزة دون رادع، حيث تؤكد منظمات دولية أن الاحتلال يرتكب مجازر جماعية ضد المدنيين، يستخدم فيها التجويع والحصار والقصف العشوائي. ومع ذلك، لم تُفعل المحكمة مذكراتها بحق قادة إسرائيل، نتيجة ما تواجهه من حصار سياسي وضغوط تهدف إلى إسكات صوت الضحايا.
إن غياب العدالة في لحظة كهذه لا يعني فشل القضاء، بل يشير إلى وجود يدٍ تخنق إرادة عدالة الجنائية الدولية، وتمنعها من القيام بواجبها الأخلاقي والقانوني.
لقد أصبح واضحاً أن المحكمة الجنائية الدولية تمر بأخطر مراحلها منذ تأسيسها، بعد أن تحولت إلى هدف مباشر لحملات تشويه وابتزاز من قبل دول كبرى. ما كشفته لوموند هو دعوة لليقظة، ورسالة للمجتمع الدولي بأن استمرار هذه الضغوط يُفرغ العدالة من مضمونها.
ختاماً، إن ما حدث خلال “العام الأسود” ليس مجرد تعاون وضغوط سياسية، بل محاولة ممنهجة لانتزاع الشرعية من أهم مؤسسة دولية للعدالة الجنائية، أي ضغط موجه إلى القضاء الدولي لإخماد صوت العدالة، يمثل خطرا على جميع الضحايا الذين يسعون إلى قضائهم.
إن التحدي الذي تواجهه المحكمة اليوم لا يتعلق فقط بإسرائيل أو غزة، بل بمستقبل عدالة الجنائية الدولية كآلية إنصاف عالمية. وإن لم تتخذ الدول المستقلة والمجتمع المدني موقفاً حازماً لحماية المحكمة، فإننا مقبلون على نظام عالمي بلا عدالة، وبلا صوت للضحايا.
المصدر: مسقط 24
