في خطوة نادرة جرت بعيدا عن التردد الأوروبي، أعلنت سلوفينيا عن حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل بشكل كامل، بما يشمل تصدير واستيراد ونقل جميع أنواع الأسلحة والمعدات العسكرية. يأتي هذا القرار كرد فعل مباشر على حرب إبادة غزة، وفي ظل فشل الاتحاد الأوروبي عن اتخاذ أي إجراء ملموس.
تبدو سلوفينيا وكأنها أرسلت رسالة واضحة: إذا لم تتحرك المؤسسات الكبرى، على الدول أن تتحرك بمفردها من أجل إنقاذ ضحايا التجويع والدمار. ورغم أن الإجراءات الأوروبية والعربية لا تزال محدودة بالبيانات والإدانة الرمزية، برزت سلوفينيا كصوت مسؤول يرفض الاستمرار في دوره التواطئي الصامت، ويضع القيمة الإنسانية فوق المصالح السياسية.
حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل في ظل عجز عالمي
في أول مرة تسجل في تاريخ الاتحاد الأوروبي، أعلنت سلوفينيا أنها عملت على حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل بالكامل، بدءا من تصدير الأسلحة إليها، واستيرادها عبرها، وحتى نقل المعدات العسكرية عبر أراضيها.
جاء الإعلان رسميا على لسان رئيس الوزراء روبرت جولوب، مؤكدا أن الاتحاد غير قادر على اتخاذ خطوة مماثلة بسبب الانقسامات الداخلية. هذه الخطوة جاءت بعد شهرين فقط من إقرار البرلمان السلوفيني الاعتراف بفلسطين دولة، ودعوة مستمرة لوقف فوري لإطلاق النار.
وفي بيانه الرسمي، اعتبر جولوب أن سلوفينيا تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية تجاه ما يحدث في غزة، حيث الموت بالجوع يتضاعف يوميا، والمستشفيات تنهار تحت نيران الاحتلال ونداءات الأطفال لا تُسمع.
وأوضح أن حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل جاء بعد انتظار طويل لتبني الاتحاد إجراء فعليا، لكنه رفض أن تكون بلاده “شاهد زور” بينما تموت الإنسانية.
بيانات أوروبية بلا تنفيذ رغم القانون الدولي الإنساني
رغم أن دولا مثل إسبانيا، فرنسا وكندا أعلنت دعمها للاعتراف بفلسطين، فلم تُقدم حتى الآن على حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل بشكل رسمي أو جماعي. بل على العكس، فإن التخوف من ردود الفعل الأميركية وحلفاء إسرائيل جعلها عاجزة عن اتخاذ قرارات حقيقية تقطع شريان التسليح الجوي والبري إلى الاحتلال، خاصة فيما يتعلق بقطع الغيار للدبابات والمقاتلات فائقة التقنية.
وتنص الاتفاقيات الدولية بما فيها قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، على أن توريد الأسلحة إلى دولة ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان يُعد مساهمة في جرائم الحرب.
ومن هذا المنطلق، فإن تبني سلوفينيا حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل يُعد امتثالا لأحكام العدالة الدولية، ورفضا للمشارِكين في القتل، وهو ما لم تتمكن الولايات المتحدة ولا ألمانيا وبريطانيا من تحمل اتخاذه على الأرض.
العرب صامتون: غياب القرار وتبرير الجريمة
في المقابل، فانعدام أي إجراء عربي مماثل، وعدم ضغط سياسي أو اقتصادي لتقييد تسليح الاحتلال، يضع الدول العربية أمام مسؤولية أخلاقية: إذ تضخم صمتها، ومعه تزيد أسعار الموت المدنيين.
لا تمكن الدولة العربية نفسها من فرض حصار على إسرائيل، ولا تجد في بيانات الشجب سوى تغطية لصمود شعب يُذبح أمام العالم.
وهنا، يصبح حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل الذي يعد رائداً للحظر في مجالات أخرى كالاقتصادية وغيرها الذي تنادي به سلوفينيا ليس مجرد رمز سياسي، بل معيارا إنسانيا لم يُكن مستحبا في السياسة العربية الراهنة.
هل يقتدي الآخرين بسلوفينيا؟
رغم أن القرار السلوفيني رمزي إلى حدٍ ما نظرا لقلة تبادل السلاح مع إسرائيل في الواقع إلا أن مسؤولي حقوق الإنسان وصفوه بأنه “مهم للغاية”.
فقد أبرز أن أي دولة تؤمن المنافذ لنقل السلاح لا تفعل مجرد تجارة، بل تدعم إبادة جماعية يمكن أن تُعرض مسؤوليها للمساءلة لاحقا. وهذا المفهوم يطالب أوروبا بتبني حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل كمعيار شرعي أساسي لحماية المدنيين، وليس كخيار سياسي محصور في صراعات النفوذ.
ختاماً، لم تكن سلوفينيا الأكبر اقتصادياً أو الأكثر تأثيرا في الاتحاد الأوروبي، لكنها أظهرت أنها الأشد شجاعة في تبني القيمة الإنسانية فوق المصالح السياسية. لقد أخطأت أوروبا الكبرى عندما أعادت صياغة علاقاتها مع إسرائيل، لكنها اليوم أمام اختبار: هل ستكتفي بالتصريحات الكلامية، أم ستلتزم فعليا بالمساءلة الدولية عبر حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل فعليا؟ الشعب الفلسطيني لن ينتظر أطروحات الدبلوماسية، بل قرارات تعمل على وقف حرب قتل الأطفال والجوع المنظم، وتعيد للضمير الأوروبي والعربي بعضا من كرامتهما المفقودة.
المصدر: مسقط 24
