تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تكثيف عملياتها العسكرية في قطاع غزة من شماله إلى جنوبه، ما يضع النازحين محاصرين بين القصف والفيضانات والحصار المطبق الخانق المفروض عليهم.
ورغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار تشير التطورات على الأرض إلى تصعيد مستمر على مختلف مناطق غزة، لتتفاقم الكارثة الإنسانية في القطاع.
خروقات قوات الاحتلال الإسرائيلي
في جنوب قطاع غزة، تطلق الدبابات والمدفعية الإسرائيلية نيرانها من مواقع انتشارها شرق خان يونس على طول محور مراد الذي يفصل رفح عن باقي القطاع إذ أصبح هذا المحور قاعدة متزايدة الأهمية للعمليات العسكرية التي تستهدف رفح ومحيطها، بحيث أصبح من المألوف لدى الفلسطينيين هناك سماع دوي انفجارات قوية بشكل شبه يومي في المناطق الجنوبية والشرقية من خان يونس.
وتتزامن هذه الهجمات مع توغلات برية متكررة في شرق خان يونس، إحدى أكثر الجبهات اضطرابا، حيث تسيطر قوات الاحتلال الإسرائيلي حاليا على ست بلدات تشكل أكثر من نصف مساحة المدينة ويقطنها نحو 150 ألف فلسطيني.
كما تعمل قوات الاحتلال الإسرائيلي على إعادة تشكيل المشهد على الأرض، فقد أقامت حواجز ترابية جديدة وكتلا خرسانية شرق شارع صلاح الدين موسعةً ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” لتفرض واقعا عسكريا جديدا من خلال التوسع التدريجي في الأراضي. وقد أسفر إطلاق النار من نقاط الاحتلال المقامة على أنقاض المباني السكنية شمال رفح عن إصابة مدنيين نازحين يعيشون في خيام مجاورة، مما يبرز الخطر المباشر لانتشار هذه القوات هناك.
وبالطبع فإن إجرام الاحتلال الإسرائيلي لايتوقف عند هذا الحد فتزامناً مع قصف الدبابات والمدافع والتوغلات البرية، حضرت الطائرات الحربية لتشن غاراتها شرق خان يونس مستهدفة بلدتي عبسان الكبيرة وعبسان الصغيرة، بينما وردت أنباء عن غارات جوية إضافية شرق دير البلح في وسط قطاع غزة. وفي مدينة غزة، تعرض حي التفاح لقصف مكثف بالتزامن مع قصف مدفعي كثيف من القوات البرية المتمركزة قرب محاور التوغل، ما يعكس نمطا منسقا من النيران الجوية والبرية يهدف إلى بسط السيطرة على المناطق السكنية.
وفي الشمال، اتخذ التصعيد منحى خطيرا للغاية، حيث قصفت طائرة إسرائيلية مسيرة خيمة تؤوي عائلات نازحة في منطقة العطاطرة ببيت لاهيا، ما أسفر عن إصابة أربعة فلسطينيين بجروح خطيرة بينهم امرأة وطفلان. وأعقب الهجوم قصف مدفعي كثيف على الموقع نفسه، وهو تسلسل وصفته مصادر طبية بأنه مصمم لإلحاق أكبر قدر من الضرر ونشر الرعب وعرقلة وصول فرق الإسعاف. كما وردت أنباء عن تحليق مروحيات على ارتفاع منخفض وإطلاقها نيران رشاشات على منازل المدنيين في منطقة أبو العجين، مما يعزز نمط الترهيب المباشر للأحياء السكنية.
أزمة إنسانية حادة
وتجري عمليات قوات الاحتلال الإسرائيلي العسكرية هذه في ظل أزمة إنسانية حادة، لا سيما في منطقة المواسي الساحلية الجنوبية حيث يعيش عشرات الآلاف من النازحين في خيام لاتتناسب مع الظروف المحيطة، فقد تسببت الأمطار الغزيرة الأخيرة في فيضانات حولت مخيمات النزوح إلى برك ومستنقعات. ومع تدمير البنية التحتية بشكل كبير ونقص المعدات والموارد لدى البلديات لم يكن من الممكن تقديم استجابة فعالة. حتى العواصف الأقل شدة من سابقاتها كانت كافية لإغراق الطرق والمخيمات، مما عرض العائلات لظروف قاسية دون أي حماية.
ويزداد الوضع سوءا بسبب الحصار الإسرائيلي المستمر الذي يمنع دخول مواد الإيواء والخيام المقاومة للمطر ومستلزمات الإصلاح الأساسية. ونتيجة لذلك، يبقى المدنيون النازحون عرضة للفيضانات والظروف الجوية القاسية دون أي أمل واقعي في إعادة الإعمار أو الحصول على مأوى دائم. وبذلك أصبحت الخيام التي كانت رمزاً للجوء المؤقت أهدافاً لقوات الاحتلال الإسرائيلي ومواقع للموت والإصابة.
ووفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية فقد أدت الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول، إلى استشهاد أكثر من 417 فلسطينياً منذ بدء سريانه مما يشكك في مزاعم الهدوء أو خفض التصعيد. ويشير نمط الهجمات على الخيام والمنازل والأحياء المكتظة بالسكان إلى أن استهداف المدنيين ليس عرضياً بل هو جزء من نهج ممنهج يجمع بين الضغط العسكري والعقاب الجماعي، مما يجبر الفلسطينيين على النزوح المتكرر.
وفي أحدث الإحصاءات لحصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهاد أكثر من 71 ألف شخص وإصابة نحو 171 ألفاً معظمهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى تدمير هائل للأبنية والبنية التحتية حيث قدرت الأمم المتحدة تكاليف إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار وهو رقم يبرز حجم الدمار الذي لحق بقطاع غزة.
ختاماً، على الرغم من وضوح جرائم قوات الاحتلال الإسرائيلي والانتهاكات التي يقومون بها، اقتصرت الاستجابات الدولية على التعبير عن القلق والإدانة دون اتخاذ تدابير ملموسة للمحاسبة أو بالحد الأدنى التخفيف من معاناة الفاسطينيين، وقد عزز هذا الشلل شعور الفلسطينيين بأن القانون الدولي يطبق بشكل انتقائي مانحاً الاحتلال حصانة.
اليوم في غزة، لا توفر اتفاقيات وقف إطلاق النار أي حماية حقيقية ولم تعد الخيام ملاذاً آمناً، ولا يزال المدنيون يدفعون ثمن حرب مستمرة تشن على مرأى ومسمع من العالم دون أي أفق لنهاية واضحة.
المصدر: مسقط 24
