وثائق جفري إبستين تلاحق السياسيين الأمريكيين والأوربيين

وثائق جفري إبستين

أثار الكشف الأخير عن وثائق جفري إبستين، الصادر في فبراير 2026، زلزالا سياسيا وأخلاقيا يتجاوز بكثير حدود فضيحة جنائية، فمع كشف واشنطن عن ملايين الصفحات من المواد السرية وشبه السرية، تحولت القضية إلى كابوس سياسي واسع النطاق يلقي بظلاله على العائلات المالكة الأوروبية والنخب السياسية الغربية، وكذلك على مصداقية مؤسسات الدولة على جانبي المحيط الأطلسي.

وبينما ركزت الصحف الأمريكية في الغالب على الكشف باعتباره أزمة شفافية ومساءلة وثقة مؤسسية داخل الولايات المتحدة، ركزت الصحافة البريطانية والأوروبية بشكل مكثف على التداعيات الأخلاقية والسياسية والرمزية على المؤسسات الحاكمة والعائلات المالكة وصورة الدولة نفسها. وأصبحت قضية وثائق جفري إبستين، التي كانت تتمحور في السابق حول مُدان واحد، عدسةً يعاد من خلالها فحص تشابك السلطة والمال والنفوذ إلى جانب التعتيم والسرية.

الكشف عن وثائق جفري إبستين

بحسب تقارير مراسلي مجلة نيوزويك، مارني روز مكفال وبارني هندرسون، تتضمن أحدث دفعة من وثائق وزارة العدل الأمريكية أسماء شخصيات بارزة من العائلات المالكة الأوروبية وشخصيات سياسية رفيعة المستوى ومليارديرات، إلى جانب نخب نافذة سياسيا واقتصاديا. وقد أثار ظهورهم في هذه الملفات جدلاً حاداً حول طبيعة علاقاتهم بإبستين، لا سيما بعد إدانته بارتكاب جرائم جنسية واتجار بالبشر.

ورغم تأكيد السلطات الأمريكية أن مجرد ورود اسم لا يعد دليلاً على ارتكاب مخالفة أو جرم قانوني، فقد أشارت كل من نيوزويك وول ستريت جورنال إلى أن مجرد الارتباط كافٍ لإثارة الشكوك والتداعيات السياسية.

وقد نُشرت هذه الوثائق بموجب قانون شفافية ملفات إبستين، الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني بعد إثارة القضية والصخب الذي أحدثته، بحيث يلزم القانون بالكشف عن جميع السجلات الحكومية المتعلقة بإبستين. ووفقاً لمكفال، فقد نشر أكثر من ثلاثة ملايين صفحة، إلى جانب ما يقرب من ألفي مقطع فيديو وأكثر من 180 ألف صورة. مع ذلك، سارع الديمقراطيون وأعضاء اللجنة القضائية في مجلس النواب إلى اتهام إدارة ترامب ووزارة العدل بحجب ما يقارب نصف الأرشيف، أي ما يقدر بثلاثة ملايين صفحة إضافية، زاعمين أن أسماء وصلات رئيسية لا تزال مخفية.

وقد أصبح هذا الخلاف حول ما نشر وما بقي مخفيا محورا للجدل، فرغم أن حجم المواد غير مسبوق يرى النقاد أن عمليات التنقيح والحذف المكثفة، فضلا عن الثغرات السياقية، قد جردت عملية الكشف من شفافيتها المرجوة. إلا أن السلطات بررت عمليات التنقيح بحماية الضحايا وتجنب الإضرار بالتحقيقات الجارية والالتزام بالامتيازات القانونية كسرية العلاقة بين المحامي وموكله. ومع ذلك يرى المعارضين أن الاستخدام الواسع لهذه الاستثناءات قد حول “الكشف الكامل” إلى ما يصفونه بالكشف الانتقائي، مما يقوض روح القانون.

شخصيات بارزة في وثائق جفري إبستين

وفي هذا الأرشيف الضخم والمجزأ، وضعت العديد من الشخصيات البارزة تحت المجهر، ففي بريطانيا، كانت الصدمة شديدة حيث ظهر الأمير السابق أندرو ماونتباتن ويندسور في وثائق وصور تظهره في أوضاع محرجة مع امرأة، ورغم تأكيد التقارير على أن هذا لا يعد دليلا على ارتكاب جريمة، إلا أن هذه الكشوفات أعادت فتح جراح لم يبدأ المجتمع البريطاني في استيعابها بعد.

كما تورطت سارة فيرغسون، الزوجة السابقة للأمير أندرو، في هذه الفضيحة، حيث كشفت رسائل بريد إلكتروني متبادلة بعد إدانة إبستين عن عبارات إعجاب وامتنان وطلبات للمساعدة المالية. وتضمنت الرسائل المنسوبة إليها عبارات مثل: “شكرا لك يا جفري أنت الأخ الذي لطالما تمنيته”، و”أنا في خدمتك.. تزوجني”، و”أنت أسطورة”. واعترفت فيرغسون لاحقا بأن استمرار علاقتها مع إبستين كان خطأً.

كما ورد اسم الملياردير البريطاني ريتشارد برانسون، مؤسس مجموعة فيرجن، في مراسلات من عام ٢٠١٣ شكر فيها إبستين على زيارته ودعاه مازحا للعودة “شريطة أن تحضر حريمك”، في إشارة إلى الشابات اللاتي كن يرافقن إبستين.

كذلك ورد اسم السياسي البريطاني السابق بيتر ماندلسون، الذي شغل منصب سفير بريطانيا لدى الولايات المتحدة، أكثر من خمسة آلاف مرة في الملفات، حيث تشير الرسائل إلى أنه شارك معلومات مالية حساسة تتعلق ببريطانيا مع إبستين.

وأظهرت الصحافة البريطانية غضبا عارما، حيث تساءلت صحيفة الغارديان عن مدى تغلغل ما أسمته “سم إبستين” في الحياة السياسية البريطانية، مؤكدةً أن هذه القضية تمس جوهر المصداقية الديمقراطية ونزاهة الحكومة. وذهبت صحيفة الإندبندنت إلى أبعد من ذلك مصرحةً بأن استقالة ماندلسون على خلفية هذه القضية غير كافية ما لم يصاحبها التخلي عن لقبه الأرستقراطي والإدلاء بشهادته أمام الكونغرس الأمريكي.

وسلطت الصحيفتان الضوء على مزاعم حصول ماندلسون وشريكته على 75 ألف جنيه إسترليني من إبستين، واتهمتاه بتسريب معلومات حساسة عام 2009 بهدف التهرب من فرض ضرائب على مكافآت المصرفيين، في خضم غضب شعبي واسع.

جفري إبستين وترامب

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تورطت النخب السياسية والتجارية الأمريكية في القضية نفسها، حيث كشفت رسائل بريد إلكتروني من عام 2012 إلى 2014 عن مراسلات بين إبستين والملياردير إيلون ماسك، تضمنت مناقشات حول زيارة جزيرة إبستين الخاصة في جزر العذراء. ويزعم أن ماسك سأل عن “أكثر الحفلات صخبا” في الجزيرة، ورتب له ولشريكته آنذاك تالولا رايلي، مقاعد في طائرة هليكوبتر.

كما سلطت وثائق جفري إبستين الضوء على مؤسس مايكروسوفت، بيل غيتس، الذي يقال إن علاقته بإبستين بدأت بعد إدانة الأخير الأولى عام ٢٠٠٨. وتضمنت مسودات رسائل، كتبها إبستين لنفسه، أن غيتس أصيب بمرض منقول جنسيا بعد لقاءات على الجزيرة، وطلب مضادات حيوية ليعطيها سرا لزوجته ميليندا. كما أشارت الوثائق أيضا إلى خلافات زوجية حادة مرتبطة بهذه العلاقات.

وظهرت ميلانيا ترامب في الأرشيف من خلال رسالة من عام ٢٠٠٢ أي قبل زواجها، هنأت فيها غيسلين ماكسويل (رفيقة إبستين) على مقال نشر في مجلة نيويورك عن إبستين، وأعربت عن إعجابها بها وطلبت لقاء معها عند عودتها إلى نيويورك.

ومن بين الأسماء البارزة الأخرى براد كارب، رئيس مكتب المحاماة بول وايس، الذي يزعم أنه طلب من إبستين التدخل لدى المخرج وودي آلن لتأمين دور سينمائي لابنه، وكاثرين روملر، المستشارة القانونية السابقة للرئيس باراك أوباما والرئيسة الحالية للشؤون القانونية في غولدمان ساكس، التي كانت تخاطب إبستين بـ”العم جفري” وتلقت منه هدايا فاخرة.

ولم تسلم العائلات المالكة الأوروبية من هذه القضية، فقد ورد اسم ولية عهد النرويج الأميرة ميت ماريت، قرابة ألف مرة في وثائق جفري إبستين، بما في ذلك مراسلات ودية ونكات شخصية بين عامي 2011 و2014. وتضمنت رسائل البريد الإلكتروني تعليقات حول بحث إبستين عن زوجة في باريس، وتصريحات حول الزواج والإخلاص أثارت غضبا شعبيا واسعا.

كما ورد اسم الأميرة السويدية صوفيا هيلكفيست، على الرغم من أن الديوان الملكي السويدي كان قد صرح بأن علاقتها بإبستين كانت محدودة وانتهت منذ عقود.

مع نشر الوثائق عاد الحديث بقوة عن علاقة إبستين مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يرد اسمه آلاف المرات في الوثائق المنشورة التي تبين تلقي مكتب التحقيقات الفدرالي أكثر من 12 بلاغا يتهم بعضها ترمب وإبستين بالاعتداء الجنسي و اغتصاب فتاة قاصر.

هذه الادعاءات سبق أن ظهرت في دعاوى مدنية أُسقطت لاحقا، ونفاها ترامب مرارا وبشكل قاطع، أي لا يشكل النشر بحد ذاته إدانة لكنه يضع الادعاءات مجددا في المجال العام وهي نقاط يسعى الديمقراطيون لاستغلالها في الانتخابات القادمة، خاصة مع اتهامهم لوزارة العدل لإخفاء قسم كبير من الوثائق وتنقيح القسم الأخر.

على الصعيد المؤسسي، تؤكد وزارة العدل أن مئات المحامين أمضوا أسابيع في مراجعة المواد لتجنب إلحاق الضرر بالضحايا وضمان الامتثال القانوني. ومع ذلك، يتزايد الغضب التشريعي ويجادل أعضاء الكونغرس بأن حجم التنقيحات ينتهك قانون الإفصاح، وطالبوا بتبرير مفصل لكل فقرة محذوفة. وإلى حين تقديم هذه التفسيرات، من المرجح أن يبقى التصور العام بأن ما نشر يعكس ماسمح له بالظهور من الوثائق وليس الحقيقة كاملة.

ختاماً، وثائق جفري إبستين ليست متعلقة برجل واحد فقط بل بمنظومة كبيرة متشابكة أحدثت صدعا كبيرا من الثقة في نظام وتطبيق العدالة وآليات المساءلة والشفافية، حيث لم يعد السؤال المهيمن على الخطاب العام مقتصراً على ما فعله إبستين فحسب، وإنما بل من مكنه ومن استفاد من شبكته ولماذا جاء الكشف متأخراً جداً وبشكل مجزأ.

المصدر: مسقط 24

→ السابق

احتجاجات وانتقادات على سياسية إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية

التالي ←

سيدة سعودية تهدي إبستين قطع من كسوة الكعبة المشرفة

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة