يتصاعد الغضب والقلق في جميع أنحاء الولايات المتحدة إزاء ممارسات وسياسات إدارة الهجرة والجمارك المعروفة اختصارا بـ”ICE”، وسط موجة من الاحتجاجات عقب حوادث إطلاق نار مميتة تورط فيها عناصر من الوكالة.
وكان أبرز هذه الحوادث التي أشعلت غضب الرأي العام مقتل الممرضة أليكس بيريتي في مينيابوليس بولاية مينيسوتا خلال عملية نفذتها إدارة الهجرة والجمارك، ما أدى إلى مظاهرات واسعة النطاق وسحب مؤقت لنحو 700 ضابط لتهدئة الاضطرابات.
استطلاعات على أداء إدارة الهجرة والجمارك
لم تقتصر الاحتجاجات على نطاق منظمات حقوق الإنسان والحقوقيين فحسب بل امتدت إلى شوارع المدن الكبرى، بما فيها مينيابوليس وشيكاغو، مسلطة الضوء على القلق المتزايد إزاء تحول وكالة مدنية إلى قوة مسلحة بشكل كثيف تعمل بموجب تفويض سياسي لممارسة القمع بمنطق أمني صرف.
الرأي العام يعكس هذا القلق فقد أشار استطلاع رأي أجرته الإذاعة الوطنية العامة (NPR) مؤخرا إلى أن 60% من الأمريكيين غير راضين عن طريقة إدارة إدارة الهجرة والجمارك، بينما يعتقد 65% أن الوكالة تجاوزت صلاحياتها بزيادة حادة عن 54% في العام السابق. وأفاد 62% من المشاركين في الاستطلاع بأن عمليات إدارة الهجرة والجمارك (ICE) تجعل البلاد “أقل أمانا”، بينما لم يبد سوى 33% رضاهم عن أداء الوكالة.
وتتجلى الانقسامات الحزبية بوضوح: إذ يعارض 91% من الديمقراطيين و66% من المستقلين أنشطة إدارة الهجرة والجمارك، في حين لا يزال 73% من الجمهوريين يدعمونها. كما كشف الاستطلاع عن استياء أوسع نطاقا من تعامل إدارة ترامب مع السياسة الاقتصادية، حيث لم تتجاوز نسبة الرضا 36%، إذ ساهمت الرسوم الجمركية والضغوط التضخمية في تأجيج السخط.
ويؤكد تصاعد الاحتجاجات الشعبية، إلى جانب تزايد السخط الذي كشفته استطلاعات الرأي، على أزمة ثقة أوسع نطاقا بين أجهزة إنفاذ القانون الفيدرالية والرأي العام الأمريكي، حيث طالب 86% من المشاركين في الاستطلاع بفرض ارتداء كاميرات الجسم على عناصر وضباط الهجرة لضمان الشفافية، مما يعكس قلقا عميقا بشأن المساءلة والحريات المدنية.
ويرى النقاد أن إدارة الهجرة والجمارك تحولت إلى أداة وذراع قمعية تخدم أجندة سياسية خاصة بدلا من كونها وكالة هجرة تقليدية مدنية تعمل لإنفاذ القانون. ويشير المراقبون إلى أنه في ظل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، التي بدأت عام 2025، بات يُنظر إلى إدارة الهجرة والجمارك بشكل متزايد على أنها “ميليشيا خاصة” تُنفذ أولويات الإدارة في مجال الهجرة بعقلية أمنية بحتة، حيث ارتبط اسم الوكالة بانتهاكات منهجية واستخدام مفرط للقوة، بما في ذلك ما وصفه بعض المعلقين بـ”الإعدامات” خلال العمليات لا سيما في مينيابوليس، حيث قُتل مواطنان في أقل من شهر.
ويحذر المحللون من أنه مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، برزت قضية إنفاذ قوانين الهجرة كأولوية قصوى للناخبين، لتنافس قضايا اقتصادية كالتضخم. وبينما لا يزال ترامب يحظى بدعم قوي من قاعدته الشعبية، فإن تراجع ثقة الناخبين المستقلين يمثل تحذيرا سياسيا هاما.
التمويل والتوظيف
ويتجلى هذا التحول في التوسع غير المسبوق للوكالة، فقبل عقد من الزمن لم تتجاوز ميزانية إدارة الهجرة والجمارك السنوية ستة مليارات دولار ولكن بحلول عام 2024، ارتفعت إلى ما يقارب عشرة مليارات دولار، ومع قانون ميزانية 2025، تلقت الوكالة مخصصات أساسية قدرها عشرة مليارات دولار بالإضافة إلى 75 مليار دولار كتمويل إضافي على مدى أربع سنوات، ليصل متوسط ميزانيتها السنوية إلى حوالي 29 مليار دولار، أي أكثر من ضعف ميزانية مكتب التحقيقات الفيدرالي لعام 2025 البالغة 11.3 مليار دولار. ويؤكد هذا الارتفاع المالي الكبير على الأولوية السياسية لإنفاذ قوانين الهجرة باعتبارها مسألة “أمن قومي” في عهد ترامب.
ولم يقتصر التوسع على التمويل فحسب، بل وضعت الإدارة أهدافا عديدة من بينها ترحيل مليون مهاجر سنويا وزيادة سعة مراكز الاحتجاز إلى مئة ألف شخص.
وكذلك بالنسبة للتوظيف، فبينما كانت الإدارة تهدف في البداية إلى توظيف عشرة آلاف عميل جديد بين عامي 2025 و2026، تمت إضافة حوالي اثني عشر ألفا مما ضاعف عدد موظفي الوكالة من عشرة آلاف إلى اثنين وعشرين ألفا بحلول أوائل عام 2026، متجاوزا بذلك عدد عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي الميدانيين.
ولاستقطاب العملاء، خفضت إدارة الهجرة والجمارك الحد الأدنى للسن من واحد وعشرين إلى ثمانية عشر عاما، وقلصت فترة التدريب من خمسة أشهر إلى سبعة وأربعين يوما، وقدمت حوافز مالية شملت مكافآت توقيع تصل إلى خمسين ألف دولار وإعفاءً من قروض الطلاب يصل إلى ستين ألف دولار.
ويرى النقاد أن هذه الإجراءات أعطت الأولوية للتوسع السريع على حساب الكفاءة المهنية، مما ساهم في زيادة حوادث إطلاق النار وسوء تقدير استخدام القوة.
وتأسست إدارة الهجرة والجمارك (ICE) عام 2003 ضمن وزارة الأمن الداخلي، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001. وتتألف الوكالة من ثلاثة أقسام رئيسية: تحقيقات الأمن الداخلي، الترحيل والإعدام، ومكتب المستشار القانوني. وتعمل من خلال أكثر من أربعمائة مكتب داخل الولايات المتحدة وخارجها حيث تشمل مهامها احتجاز وترحيل المهاجرين غير الشرعيين بالإضافة إلى مكافحة تهريب المخدرات والاتجار بالبشر وغسل الأموال.
وأثار الوضع الراهن جدلا حول تآكل سيادة القانون وإعادة تعريف سلطة الدولة، حيث يرى النقاد أن إدارة الهجرة والجمارك (ICE) تُعامل كوكالة فوق المساءلة، تخضع فقط للأوامر السياسية المباشرة، وهو تصور عززته تعليقات إعلامية قارنت أساليبها بأساليب الجستابو النازي. وقد أدى الجمع بين التمويل الضخم والتوسع السريع وتخفيض معايير التدريب إلى تفاقم المخاوف من تحول وكالة مدنية إلى أداة قمعية، مما يرسخ سابقة ذات تداعيات طويلة الأمد على التوازن بين الأمن والحرية في الولايات المتحدة.
ختاماً، يشير توسع نطاق عمل إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) وممارساتها القمعية، وتزايد السخط الشعبي الذي كشفت عنه استطلاعات الرأي الأخيرة، إلى تحد كبير يواجه السياسات والحوكمة على حد سواء. ويبرز مسار عمل الوكالة التوتر القائم بين أولويات الأمن القومي والحريات المدنية، مظهراً كيف يمكن لأجهزة إنفاذ القانون أن تعيد تشكيل التصور العام وتثير قلقاً مجتمعياً واسع النطاق.
المصدر: مسقط 24
