وسط تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران التي جذبت الاهتمام العالمي وتزايد التكهنات حول نشوب مواجهة عسكرية مع إيران، تشير التقارير الدولية إلى أن قرار الرئيس الأمريكي بتأجيل أو تعطيل شن هجوم فوري لم يكن مدفوعا بتردد سياسي بقدر ما كان مدفوعا بحسابات عسكرية دقيقة وضغوط من كبار القادة في الجيش الأمريكي.
وتأتي هذه اللحطة في ظل تداخل الأزمات الإقليمية والدولية بشكل متزايد، مما خلق بيئة استراتيجية بالغة التعقيد.
القلق من مواجهة عسكرية مع إيران
تقول التقارير الصحفية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد إظهار القوة وكانت لديه الرغبة في هجوم مماثل للذي أجرته القوات الأمريكية في فنزويلا، إلا أن تردده جاء عقب الخوف من الانزلاق إلى حرب واسعة النطاق قد تجتاح المنطقة بأسرها.
وتضيف التقارير أن قادة عسكريين أمريكيين حذروا منذ حوالي أسبوعين أن القوات المسلحة لم تكن على أتم الاستعداد لمواجهة كبيرة مع إيران، مشيرين إلى عدم كفاية الغطاء الجوي وعدم اكتمال جاهزية القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط ولا سيما القوات التي يتراوح عددها بين 20 و30 ألف جندي والتي قد تتعرض للخطر المباشر في حال نشوب مواجهة عسكرية مع إيران.
وبالرغم من إرسال المزيد من التعزيزات العسكرية التي تعتبر أكبر انتشار للأصول العسكرية الأمريكية منذ غزو العراق ، إلا أن التقارير تشير إلى تجديد التحذير من القادة العسكريين الأمريكيين إلى ترامب من أن الدخول في مثل هذه الحرب دون استعداد ذخم وكاف ومحسوب يعرض الولايات المتحدة لخسائر فادحة وقد يلحق الضرر بهيبة الجيش الأمريكي بدلا من تعزيزها.
وتستند تقييمات القادة العسكريين الأمريكيين إلى فهم أن أي مواجهة عسكرية مع إيران ستكون مختلفة جوهريا عن الحروب السابقة نظرا لقدرات طهران الصاروخية ووجود حلفائها في عدة جبهات إقليمية.
ويعكس هذا الخوف إرسال واشنطن المزيد من المقاتلات والسفن الحربية وأنظمة الدفاع الجوي إلى المنطقة وتكثيف التنسيق مع الحلفاء وإجلاء القوات من العديد من القواعد الأمريكية وبالطبع إرسال حاملة الطائرات الضخمة خلال الأيام الماضية.
في المقابل، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي إذ تظهر برامج التتبع والملاحة وصور الأقمار الصناعية توريد تجهيزات لم تكشف ماهيتها من روسيا والصين وكذلك تحصين العديد من المواقع العسكرية وإظهار القوة البحرية من خلال مناورات في مضيق هرمز.
الدبلوماسية والمفاوضات
على الرغم من تصاعد حدة الخطاب وإظهار القوة، بقيت قنوات الاتصال الدبلوماسية غير المباشرة بين واشنطن وطهران مفتوحة. وهنا تحاول واشنطن التفاوض مع طهران تحت التهديد والضغط على مبدأ استخدام القوة إلى جانب المسار السياسي للحصول على تنازلات. إلا أن طهران ومنذ اليوم الأول أكدت أن التفاوض بالتزامن مع التهديد لايبقى تفاوضا وإنما فرضا ولم تقبله وأكدت على خطوطها الحمراء قبل بداية الجولة الأولى من المفاوضات.
من جهة أخرى، تنطوي الاستراتيجية الأمريكية على مخاطر جسيمة، إذ إن أي خطأ في التقدير قد يحول التهديدات بسرعة إلى صراع مفتوح حيث يدرك المسؤولون الأمريكيون أن المواجهة العسكرية مع إيران لن تقتصر على منطقة جغرافية محددة بل قد تمتد عبر الخليج والعراق ولبنان وسوريا والبحر الأحمر، مما يجعل هذا الصراع مكلفا للغاية سياسيا وعسكريا.
الجدير بالذكر هنا تصريح الرئيس الأمريكي الأخير بإعطاء مهلة 15 يوما للتوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن الملف النووي وأنه سيحصل بأي شكل من الأشكال، إلا أن الرد الإيراني لم يتأخر وجاء هذه المرة عبر رسالة إلى مجلس الأمن الدولي تؤكد فيها أن طهران أن تصريحات الرئيس الأمريكي تشكل انتهاكاً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون وتشدد في نفس الوقت على أنها لا تسعى إلى الحرب لكن أي عدوان عسكري سيقابل بحقها الأصيل في الدفاع عن النفس وأن جميع القواعد والأصول الأمريكية في المنطقة تعتبر أهدافاً مشروعة وأن واشنطن تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي عواقب خارجية.
في غضون ذلك، أظهرت العلاقات عبر الأطلسي علامات التوتر، حيث كشفت المناقشات في مؤتمر ميونيخ للأمن عن قلق أوروبي بشأن السياسة الخارجية الأمريكية لا سيما فيما يتعلق بإيران والشرق الأوسط، مما أدى إلى دعوات لمزيد من الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن.
ختاماً، يبدو أن تردد ترامب من الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران يعود إلى عدم الجاهزية العسكرية الأمريكية والخوف من حرب إقليمية شاملة والضغوط الدولية والأوروبية ومحاولة استخدام التهديد كوسيلة ضغط في المفاوضات، وهنا يبقى السؤال إذا فشلت المفاوضات، هل ستقدم الولايات المتحدة على مواجهة عسكرية مع إيران أم لا؟ وبماذا ستنتهي هذا الحرب إذا بدأت؟
المصدر: مسقط 24 + متابعات
