يعد موسم الزيتون في الضفة لحظة محورية في حياة الفلسطينيين، إذ إنه لا يقتصر على كونه عملية زراعية فحسب، بل يتجلى كطقس اجتماعي ورمزا لمقاومة والثبات فوق الأرض. إلا أن هذا العام، كما الأعوام الأخيرة، تحول هذا الموسم إلى ساحة لتصعيد واستهداف ممنهج، يتخلله العنف الواسع والاعتداءات ضد المزارعين وأفراد العائلات أثناء قطافهم للزيتون، خصوصا في قرى المناطق القريبة من المستوطنات.
خلال موسم الزيتون في الضفة، تقوم العديد من المؤسسات بتوثيق الهجمات التي ينفذها المستوطنون ضد المزارعين الفلسطينيين خلال قطفهم الزيتون أو حتى محاولتهم الوصول إلى أراضيهم. ووفق تقرير حديث، تم تسجيل أكثر من 150 هجوما منذ بدء الموسم، يتضمن العديد منها مشاركة مباشرة أو غير مباشرة من جيش الاحتلال.
تصاعد العنف خلال موسم الزيتون في الضفة
من الأمثلة: في بلدة ترمسعيا شمال شرق رام الله، هاجم عشرات المستوطنين مزارعين ومتضامنين كانوا يقطفون الزيتون في أراضيهم المجاورة لمستوطنة “شيلو”. استمر الهجوم لنحو نصف ساعة، استخدموا خلالها العصي، الحجارة، الأسلحة النارية، الغاز، وأحرقوا عدة سيارات.
ما يميز هذا التصعيد في موسم الزيتون في الضفة هو أنه ليس مجرد تصادم عشوائي، بل يبدو ضمن سياسة ممنهجة لفرض واقع جديد على الأرض من خلال الإرهاب الزراعي، وهيمنة مستمرة على المناطق الزراعية للفلسطينيين.
إن موسم الزيتون في الضفة ليس موسماً زراعياً عابرا، فالأشجار المفتوحة أمام قطف الثمار تحمل ذاكرة جماعية وثقة البقاء، والفلاح الذي يقطف الزيتون يعلن وجوده فوق الأرض رغم كل الظروف. وفي السنوات الأخيرة، تحول هذا الموسم إلى موسم خوف وخطر حقيقي، حيث يقضي العمال الفلسطينيون ساعات القطاف بالخوف من هجوم مفاجئ، كما يقول أحد المزارعين: “الاحتلال يريد أن يجعلنا نخاف من أرضنا، لكننا سنقطف الزيتون حتى لو هاجمونا كل يوم”.
ولأن موسم الزيتون في الضفة مرتبط بمصدر دخل أساسي لسكان القرى، فإن الخوف من فقدان المحصول أو منع الوصول إلى الأراضي يترجم إلى تهديد مباشر لسبل العيش، وليس فقط للرمزية. بحسب تقارير منظمات حقوقية، فإن الزيتون يشكل حوالي 14% من الدخل الزراعي للأراضي الفلسطينية، ويعيل نحو 80 ألف عائلة.
عزل واستهداف وصمت دولي!
في سياق موسم الزيتون في الضفة، هناك ما يشير إلى “تنسيق مسبق” بين المستوطنين والقوات الإسرائيلية، أو على الأقل تواطؤ غير مباشر، حسب شهادات من المزارعين والناشطين. ففي العديد من الاعتداءات، اتهم المزارعون الجنود بالسحب أو الانسحاب من نقاط قريبة قبل دقائق من الهجوم، ما عزز القناعة بأن الأمر ليس أحداثا عرضية.
على سبيل المثال، وثقت منظمات إسرائيلية وفلسطينية ارتفاع الاعتداءات في الموسم الماضي بنسب تتجاوز 40% مقارنة بالعام السابق.
إضافة إلى ذلك، يطلب من المزارعين الفلسطينيين الحصول على تصاريح لدخول أراضيهم القريبة من المستوطنات أو المناطق المصنفة “ج” بموجب اتفاق أوسلو، وفي كثير من الحالات تُرفض التصاريح أو تؤخر، ما يزيد من عزلتهم أثناء موسم الزيتون في الضفة.
ورغم التوثيق المتكرر للهجمات خلال موسم الزيتون في الضفة، يبقى الرد الدولي ضعيفا تغيب عنه الجدية والإنصاف. مثلاً، قدر تقرير بأن “فقط 8.5٪ من التحقيقات الإسرائيلية في هجمات المستوطنين على مزارعين فلسطينيين أسفرت عن متابعة قضائية”.
كما تشكو العائلات من الصمت الدبلوماسي للسفارات التي يحمل كثير من سكانها جنسيات مزدوجة أو أجنبية مثل قرية ترمسعيا وهو ما يتم تفسيره في الأوساط الفلسطينية بأنه نوع من التواطؤ الضمني.
والنتيجة هي أن موسم الزيتون في الضفة يتحول إلى اختبار على الأرض لمدى قدرة المجتمع الدولي والمجتمع المدني على حماية الفلسطينيين وحفظ حقهم في أرضهم.
الاستثمار في قطف الزيتون
في مواجهة هذا الواقع، أعاد الفلسطينيون في القرى الزراعية تجديد التزامهم بموسم الزيتون في الضفة كرمز صمود. حيث أُطلقت حملات مثل “زيتون 25” التي تنسق متطوعين فلسطينيين وأجانب لتوثيق الهجمات ودعم المزارعين والتواجد الميداني في الحصاد.
كما أن بعض العائلات تختار أوقاتاً أبكر للقطاف، تتعاون بين القرى لتوفير حماية جماعية، وتستخدم منصات التواصل لفضح الاعتداءات فور حدوثها.
ورغم الخطر، يقول أحدهم: “هذه الأرض هي حياتنا وهويتنا… ولن نخضع للترويع. سنقطف الزيتون مهما كانت التحديات”. ومن هنا يظهر أن موسم الزيتون في الضفة ليس فقط موسم جمع ثمار، بل موسم إعلان حقيقي بأن الأرض فلسطينية، مهما كثرت الهجمات.
الوضع المستقبلي
في ضوء ما سبق، نجد أن موسم الزيتون في الضفة يواجه تحديات عديدة، أهمها:
- استمرار العنف المنظم ضد المزارعين والضغط المتواصل على الوصول إلى الأراضي.
- غياب العدالة أو المحاسبة عن اعتداءات المستوطنين، ما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب.
- ضعف التدخل الدولي والضغط الخارجي.
- فقدان محصول الزيتون أو منع الوصول إليه يضع العائلات في دائرة الفقر.
- تحويل لحظات الفرح العائلية إلى مشهد تهديد وخوف.
ختاماً، إن موسم الزيتون في الضفة هذا العام يسطر رسالة مزدوجة: رسالة إصرار فلسطيني على البقاء في الأرض، ورسالة خلفها العنف الاستيطاني والدعم المؤسسي له: بأن المواجهة اليوم ليست فقط عن الزيتون، بل عن حق الفلسطيني في أن يعيش، يعمل، ويرعى أرضه بلا خوف. ومع ذلك، يبقى الأمل أن يكون موسم الزيتون في الضفة ليس موسماً للتهديد والرعب وإنما تعزيز للحق الفلسطيني، وأن الزيتون يمتد بجذور لا تقتلع.
المصدر: مسقط 24
