موقع فرنسي: أوروبا مولت قوات الدعم السريع بملايين الدولارات

قوات الدعم السريع

نشر موقع “لو ديبلومات” الفرنسي مقالاً يدين بشدة سياسياً وأخلاقياً، السياسة الأوروبية بالنسبة لقوات الدعم السريع، كاشفاً ما وصفه كاتبه بأنه أحد أشد المفارقات في تاريخ الاتحاد الأوروبي الحديث.

وفقا للمقال، الذي كتبه الكاتب والباحث الإيطالي جوزيبي غاليانو، فإن الاتحاد الأوروبي – بينما يُقدم نفسه كبطل عالمي لحقوق الإنسان والديمقراطية – قام لسنوات بتمويل وتمكين قوات الدعم السريع (ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب في السودان)، وذلك بهدف وحيد هو وقف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

أوروبا تموّل قوات الدعم السريع

يوضح غاليانو أنه بين عامي 2014 و2021، ضخ الاتحاد الأوروبي أكثر من 400 مليون يورو (حوالي 432 مليون دولار أمريكي) إلى أجهزة الأمن السودانية المرتبطة بقوات الدعم السريع، تحت ذريعة “إدارة الهجرة غير النظامية”. وقد تم توجيه هذا التمويل بشكل أساسي عبر آليات مثل صندوق الاتحاد الأوروبي الاستئماني لأفريقيا وبرامج ذات صلة تهدف إلى منع المهاجرين قبل وصولهم إلى البحر الأبيض المتوسط. ويجادل الكاتب بأن هذا الدعم المالي واللوجستي لعب دورا مباشرا وغير مباشر في بناء جهاز قمعي دمّر السودان منذ ذلك الحين.

ووفقا للمقال، لم يقتصر هذا التمويل على المساعدة التقنية أو برامج التدريب المحايدة بل عزز بشكل ملموس قوات الدعم السريع، وهي ميليشيا انبثقت من قوات الجنجويد سيئة السمعة المسؤولة عن الفظائع في دارفور.

وتلقت قوات الدعم السريع شاحنات تويوتا وزيا عسكريا ومعدات اتصالات لاسلكية وتدريبا أمنيا تحت ذريعة “مراقبة الحدود” و”مكافحة الهجرة”، بما في ذلك أنظمة القياسات الحيوية المصممة لتحديد هوية المهاجرين. ويؤكد غاليانو أن هذه الأدوات، التي كان يفترض استخدامها لإدارة الحدود سرعان ما تم تحويلها إلى أدوات قمع داخلي، مما مكن الميليشيا من قمع القرى واضطهاد المدنيين وارتكاب عمليات قتل واغتصاب ممنهجة لا سيما في دارفور، حيث تعود جرائمها إلى عامي 2003 و2004 وما زالت مستمرة.

ويربط الكاتب هذا التمكين المدعوم أوروبيا بشكل مباشر بالكارثة الإنسانية الراهنة في السودان، حيث يقدر أن تعزيز قوات الدعم السريع قد ساهم في مقتل أكثر من 25 ألف شخص وتشريد ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها. إضافةً إلى ذلك، ساهم العنف والدمار الذي تغذيه الميليشيات في اندلاع مجاعة وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ منذ مجاعة إثيوبيا في ثمانينيات القرن الماضي.

ويسلط غاليانو الضوء على ما يسمّيه “مفارقة صادمة”: أوروبا، باسم منع الهجرة، موّلت القوى نفسها التي تجبر الناس على النزوح من خلال تدمير القرى وقطع سبل العيش ونشر الرعب.

أزمة إنسانية في الفاشر بسبب دعم الإمارات

تحذيرات وغياب المساءلة

ويؤكد المقال أن هذه العواقب لم تكن غير متوقعة أو خفية، ففي عام 2017 نشرت منظمة بحثية ودعوية أمريكية تقريرا بعنوان “مراقبة الحدود من الجحيم”، حذرت فيه صراحةً من أن قوات الدعم السريع “من بين أكثر الجماعات وحشية على وجه الأرض”، وأن تزويدها بالأموال والمعدات الأوروبية “جنون محض”. كما أصدرت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وعشرات المنظمات الحقوقية الأخرى تحذيرات مماثلة، محذرةً من أن أوروبا تنشئ شريكا إجراميا مقابل وهم السيطرة على الهجرة.

ورغم هذه التحذيرات المتكررة، يشير غاليانو إلى أن استجابة الاتحاد الأوروبي كانت سطحية إلى حد كبير، فقد عُلّقت بعض المشاريع مؤقتا لبضعة أشهر، ثم استؤنفت بهدوء لاحقا وكأن شيئا لم يكن.

وهنا دافعت من بروكسل عن نفسها بالادعاء بأن الميليشيا لم تتلق تمويلا أوروبيا مباشرة بل عبر وسطاء أو برامج، في حين يرفض الكاتب هذا التبرير باعتباره غطاء شكليا بحتا لا يغير الواقع على الأرض: فقد وصلت الأموال والمعدات والتدريب إلى الميليشيات وكان أثرها واضحا جليا في حجم العنف والقمع.

ويضيف غاليانو أن الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذه السياسة هو الغياب التام للمساءلة، فلم يكن هناك أي محاسبة جادة داخل المؤسسات الأوروبية، ولا مراجعة شاملة للسياسات التي أدت إلى هذه النتائج ولا تحمل حقيقي للمسؤولية. وبدلا من ذلك، لا يزال الشعب السوداني يدفع الثمن بالدماء والجوع والنزوح الجماعي.

وبوضع القضية في سياق إقليمي أوسع، تشير المقالة إلى دور الإمارات كوسيط رئيسي في شبكة الدعم هذه، ووفقا لتقارير دولية متعددة استشهد بها الكاتب، لعبت أبوظبي دور المُيسر اللوجستي والسياسي، حيث ساعدت في تنسيق الجهود الأمنية وتوفير التدريب والأسلحة وتسهيل تنقل قوات الدعم السريع إقليميا. وفي تحليل غاليانو، تلاقى تركيز أوروبا على وقف الهجرة مع أجندة الإمارات الرامية إلى تجنيد وكلاء مسلحين لخدمة مصالحها في السودان والمنطقة مما أدى إلى بلد مدمر يقع بين براثن الميليشيات والمجاعة.

ختاماً، يخلص المقال إلى استنتاج صريح: أوروبا وتحت ستار إدارة الهجرة، موّلت الميليشيات (قوات الدعم السريع) نفسها التي تسببت في الهجرة التي سعت إلى منعها، ويشدد غاليانو بأن هذا لم يكن سهوا أو خطأ عابرا، بل خيارا سياسيا ممنهجا أعطت فيه بروكسل الأولوية لوهم الأمن على القيم التي تدعي علنا التمسك بها. وبينما لم يحاسب أحد داخل الاتحاد الأوروبي تستمر المأساة السودانية لتكون بمثابة تذكير قاتم بأن الجرائم الكبرى لا ترتكب بالأسلحة فحسب بل أيضا بلغة دبلوماسية منمقة وإجراءات محكمة وتوقيعات بيروقراطية باردة.

المصدر: مسقط 24

→ السابق

الشتاء في غزة والمنع الإسرائيلي يسرعان انتشار الأوبئة

التالي ←

تشريع القمار في الإمارات: تحول جذري في الهوية

اترك تعليقاََ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة