أُقرّت ميزانية المملكة السعودية لعام 2026 بإنفاق قدره 1.31 تريليون ريال (350 مليار دولار) وعجز متوقع قدره 165.4 مليار ريال (44 مليار دولار)، وهو ما يعكس التحديات المالية المستمرة التي لا تزال تواجهها المملكة.
هذا العجز ليس وليد ليوم ولا يعتبر خطأ عابراً وإنما يظهر طريقا طويلا من التدهور ناتج عن سياسات إنفاقية ضخمة بلا عائد، ومشاريع عملاقة استنزفت خزينة الدولة دون أن تُحقق المطلوب والغاية منها.
ميزانية المملكة السعودية: تنويع المصادر
رغم توقع الحكومة بزيادة طفيفة في الإيرادات إلى 1.15 تريليون ريال، أي أعلى بنحو 5% من تقديرات هذا العام، إلا أن هذا التحسن يأتي بعد تخفيض كبير في التقديرات مرتبط بانخفاض أسعار النفط، ما يعكس التقلبات التي لا تزال تؤثر على مالية الدولة.
تعتقد وزارة المالية أن نمو الإنفاق، المتوقع أن يرتفع بنحو 4%، يعكس التزام الحكومة بدفع برامج التنمية الوطنية قدما واستدامة المشاريع الطموحة المرتبطة برؤية 2030. وتشمل هذه المشاريع تطوير البنية التحتية، وتوسيع الخدمات العامة، والاستثمار في القطاعات الناشئة التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط على المدى الطويل. ومع ذلك، يشير العجز المتزايد إلى أن موازنة هذه المبادرات مع الاستقرار المالي لا تزال تُشكل تحديا مستمرا.
وتشير البيانات الرسمية إلى أنه من المتوقع أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.6% في عام 2026، مدعوما بزيادة قدرها 5% في الأنشطة غير النفطية. وقد شهدت الإيرادات غير النفطية زيادة ملحوظة خلال العقد الماضي، حيث بلغت حوالي 37.5% من إجمالي النفقات مقارنة بنسبة 17% فقط في عام 2015.
وتقدم الحكومة هذا التحول كدليل على التقدم نحو تنويع الاقتصاد، إلا أن وعلى الرغم من ذلك لا يزال الاقتصاد الوطني ضعيفا حيث من المتوقع أن يرتفع الدين العام إلى 1.62 تريليون ريال العام المقبل، مع عجز بالموازنة كبير جداً.
استهلاك الموارد والتداعيات
وراء تبريرات وتطمينات الحكومة يكمن نقد كبير، فعجز ميزانية المملكة السعودية ليس مجرد مشكلة أو اختلال عادي بل هو جزء من نمط شكلته رؤية 2030 نفسها، حيث استهلكت العديد من المشاريع البارزة التي أطلقها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مثل نيوم والقدية ومشاريع البحر الأحمر، موارد مالية هائلة دون تحقيق العوائد الاقتصادية التحويلية التي وعد بها سابقا.
وقد أثار التأخير وتخفيضات البرامج والنتائج غير المؤكدة تساؤلات حول القيمة الحقيقية لهذه الاستثمارات للاقتصاد المحلي، فبدلاً من توليد فرص عمل مستدامة ونمو متنوع كما كان مأمولا، برزت هذه الاستثمارات بشكل متزايد كعبء مالي.
صحيح أنه هناك نمو للقطاعات غير النفطية، إلا أن هذا النمو لم يرتقي ليصل إلى تعويض الاعتماد على النفط أو بناء قاعدة اقتصادية مكتفية ذاتيا ولا يزال القطاع الخاص متأثرا بشدة بقرارات الحكومة، كما لا يزال النمو الإجمالي يعتمد على الإنفاق الحكومي وهو نهج لا يمكن استدامته إلى أجل غير مسمى في ظل عجز ميزانية المملكة السعودية المتكرر.
ويتمثل جوهر هذه المخاوف في دور صندوق الاستثمارات العامة، الذي اكتسب نفوذا كبيرا بينما كان يعمل بشفافية محدودة، ولم يترجم التوسع السريع للصندوق في الاستثمارات العالمية في مجالات المختلفة الرياضة إلى التكنولوجيا، إلى تحسينات كبيرة على الاقتصاد المحلي.
ويعتقد المحللين بأن صندوق الاستثمارات العامة يعمل في ظل رقابة محدودة، وأن استثماراته البارزة لم تحقق بعد فوائد ملموسة للمواطنين العاديين، حتى مع تحمل الحكومة للمخاطر.
مما لاشك فيه أن عجز ميزانية المملكة السعودية سيولد ضغوطاً مالية ستعود بتأثيرات سلبية على المدى القريب بالنسبة للشعب، فالعجز المستمر يزيد من احتمالية ارتفاع الضرائب وارتفاع تكلفة الخدمات وكذلك خفض الدعم.
وبدون خلق فرص عمل مستدامة، قد يستمر الباحثون عن عمل في مواجهة سوق عمل شحيح، كما من المتوقع أن يفاقم ارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات العامة الضغط على الأسر.
ما تُظهره ميزانية المملكة السعودية لعام 2026 هو صورة لاقتصاد عالق بين خطط طموحة طويلة الأجل وضغوط مالية متزايدة. وبينما تشدد الحكومة على ضرورة الحفاظ على الإنفاق التنموي والدفع نحو رؤية 2030، فإن الاعتماد المستمر على الإنفاق الضخم إلى جانب تقلبات عائدات النفط، قد خلق اختلالات هيكلية قد تتفاقم في السنوات القادمة.
ختاماً، إن العجز الجاري لميزانية المملكة السعودية ليس مجرد مقياس مالي، إنه انعكاس للمسار الاقتصادي العام للمملكة، وبدون تحول جذري في الاستراتيجية فإن السعودية تخاطر بالاستمرار على النهج الذي تستنزف فيه المشاريع الضخمة الموارد الوطنية دون تحقيق التحول الذي صُممت من أجله ولتحقيقه، مما يضعف الاقتصاد ويجعل الوصول إلى رؤية 2030 شبه مستحيل.
المصدر: مسقط 24
