في الوقت الذي تتعرض فيه غزة لحرب إبادة مستمرة منذ شهور، كشفت صحيفة “إسرائيل هيوم” الإسرائيلية تفاصيل صادمة عن التطبيع الخفي السعودي مع الكيان الصهيوني. ووفق التقرير، شاركت الرياض في عمليات اعتراض طائرات مسيّرة إيرانية كانت متجهة لضرب أهداف عسكرية في إسرائيل خلال الحرب الأخيرة، وذلك باستخدام منظومات رادارية سعودية تم تفعيلها بإحداثيات إسرائيلية.
هذه المشاركة تؤشر إلى تحول عميق في العلاقة بين الجانبين، يتجاوز التصريحات الدبلوماسية والمصافحات العلنية، نحو شراكة أمنية صريحة تُدار في الخفاء، وبعيدا عن أنظار الشعوب العربية التي ما تزال تئن تحت وطأة الاحتلال والمجازر.
مسار التطبيع الخفي السعودي يتعمق
لم تكن هذه الخطوة معزولة عن السياق، بل تأتي ضمن سلسلة من المؤشرات على تسارع مسار التطبيع الخفي السعودي، أبرزها اللقاءات الأمنية المتكررة بين مسؤولين سعوديين وإسرائيليين في عواصم غربية وخليجية، إضافة إلى تصريحات إسرائيلية تفيد بأن الرياض سمحت للطائرات الإسرائيلية باستخدام جزء من مجالها الجوي خلال الحرب مع طهران.
وتزامنت هذه المعلومات مع تسريبات تؤكد تشكيل لجنة عسكرية سعودية-إسرائيلية مشتركة للتنسيق الأمني إقليميا، ما يعكس تحولا جذريا في العقيدة السياسية للمملكة.
وفيما يتزايد التنسيق العسكري بين الجانبين، تتواصل المجازر بحق الشعب الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة، حيث قُتل الآلاف تحت أنقاض منازلهم بفعل القصف الإسرائيلي، بينما تلتزم السعودية صمتا مطبقا. هذه المشاركة السعودية في دعم تل أبيب عسكريًا، وإن كانت سرية، تعني تجاهلاً متعمداً لمعاناة الفلسطينيين، بل وتواطؤا ضمنيا مع دولة الاحتلال. ذلك يجعل من التطبيع الخفي السعودي شريكا في استمرار الحصار وجرائم الحرب.
تفاصيل التعاون العسكري والصمت السعودي
وفقا لما ورد في تقرير صحيفة إسرائيل هيوم، فإن التعاون العسكري بين السعودية والاحتلال الإسرائيلي تجاوز مرحلة التنسيق الاستخباراتي إلى تدخل مباشر في سير المعركة. فقد أشارت الصحيفة إلى أن طائرات مسيّرة إيرانية كانت تستهدف مواقع استراتيجية في تل أبيب وخليج حيفا، رُصدت أولا بواسطة أنظمة مراقبة سعودية متطورة مرتبطة بمنظومات رادارية أمريكية، متمركزة في قاعدة جوية بجنوب المملكة.
وقدمت السعودية معلومات فورية للقيادة العسكرية الإسرائيلية، تضمنت إحداثيات الطائرات ومساراتها وسرعتها، ما أتاح للإسرائيليين تفعيل خطة اعتراض مبكر باستخدام مقاتلات “F-35” وطائرات الحرب الإلكترونية، التي اعترضت بعض المسيّرات فوق المياه الإقليمية. هذه المعلومات، بحسب محللين عسكريين إسرائيليين، كانت “حاسمة” في منع تكرار الضربة النوعية التي وجهتها طهران خلال تصعيد أبريل الماضي.
وما يضاعف خطورة هذه الخطوة هو أنها نُفذت دون إعلان رسمي أو توضيح من الجانب السعودي، الأمر الذي يعكس حقيقة التطبيع الخفي السعودي كمسار فعال لكنه مموه، يدار من خلف الكواليس بهدف تهيئة الرأي العام تدريجيا. ولا يمكن فصل هذه المشاركة عن الضغط الأمريكي المستمر لدفع الرياض نحو الشراكة الأمنية مع تل أبيب في مواجهة إيران، ولو على حساب القضية الفلسطينية والشعوب العربية.
رغم خطورة هذه المعلومات، لم تصدر السعودية أي نفي رسمي، بل اكتفت بالصمت، وهو ما يثير التساؤلات حول حقيقة ما يتم خلف الكواليس. في المقابل، عبر مسؤولون إسرائيليون عن “امتنانهم العميق” لما وصفوه بـ”دور السعودية في تأمين الجبهة الداخلية الإسرائيلية”.
وتأتي هذه التصريحات في ظل مؤشرات إلى تنسيق عسكري يسبق التطبيع العلني المرتقب، رغم عدم توقيع اتفاق رسمي حتى الآن. لكن واقع التعاون يُظهر أن التطبيع الخفي السعودي يتجاوز القوانين الأخلاقية والسياسية وحتى السيادة العربية.
الشعوب ترفض والمواقف تنحرف
في مقابل هذا المسار المتسارع من التطبيع الخفي السعودي، تُبدي الشعوب العربية، لا سيما في الخليج والمشرق العربي، رفضا قاطعا لأي تقارب مع الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في ظل الجرائم اليومية بحق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. ومع أن السلطات في الرياض تحاول تصوير تحركاتها كجزء من “إستراتيجية إقليمية لمكافحة التهديد الإيراني”، فإنها تغضّ الطرف عن الحقيقة الجوهرية: أن هذا التعاون يجري بينما تواصل إسرائيل شن حرب إبادة مفتوحة على المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والنساء والمرضى.
تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة التي أُجريت في عدد من الدول العربية، بما فيها السعودية، أن غالبية الشعوب ترى إسرائيل كعدو، وترفض أي شكل من أشكال التعاون معها. ومع ذلك، لا تجد هذه المواقف الشعبية صدى لدى صناع القرار، الذين يواصلون الرهان على الأمن الإسرائيلي باعتباره جزءا من أمن الخليج، متجاهلين أن الأمن الحقيقي لا يُبنى عبر الشراكة مع المحتل، بل من خلال دعم القضايا العادلة والوقوف إلى جانب المظلومين.
إن هذا الانحراف في المواقف الرسمية، مقابل التمسك الشعبي بالقيم والمبادئ، ينذر بخلل خطير في العلاقة بين الأنظمة وشعوبها، قد تكون له تداعيات سياسية واجتماعية في المستقبل القريب. وفي ظل استمرار العدوان على غزة، تتسع هوة الثقة وتزداد التساؤلات: من يُمثل من؟ وأي مصالح تُخدَم في الكواليس؟ وهل يمكن لتطبيع سري أن يضمن مستقبلا آمنا في ظل صمت أخلاقي مدو أمام مشاهد المجازر الجماعية؟
ختاماً، ما كشفه تقرير “إسرائيل هيوم” لا يمكن عزله عن السياق الكارثي الذي يعيشه الفلسطينيون، ولا عن سلسلة الخطوات التي اتخذتها السعودية للاقتراب من الاحتلال الإسرائيلي على المستويين الأمني والسياسي. التطبيع الخفي السعودي لم يعد مجرد تسريبات أو تحليلات، بل حقيقة واضحة مدعومة بالوقائع والشهادات، ما يحتم على الشعوب الحرة، والنخب الواعية، الوقوف في وجه هذا الانحدار الذي يهدد ما تبقى من كرامة عربية وموقف أخلاقي في زمن تصفية الحقوق.
المصدر: مسقط 24
